بحث
مساعد الحج الذكي
مرحباً بك! أسألني عن مناسك الحج، السيرة النبوية، أو أي استفسار ديني.
كيف أحرم للحج؟
أعمال يوم عرفة
دعاء الطواف
قصة الهجرة
تذكير تلقائي
صلى الله عليه وسلم
فضل الصلاة على النبي

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ"

صلح الحديبية (ذو القعدة سنة 6 هـ)

📖 أدوات القارئ الذكية
✍️ النص:
👁️ الرؤية:
⚡ تفاعل:

عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة 6 هـ — من كتاب الرحيق المختوم

عمرة الحديبية هي واحدة من أعظم أحداث السيرة النبوية، بل إن القرآن الكريم سماها "فتحًا مبينًا" مع أن ظاهرها كان صلحًا وتراجعًا عن دخول مكة. وقعت في ذي القعدة سنة 6 من الهجرة، وكانت نقطة تحول جذرية في مسار الدعوة الإسلامية، فتحولت من مواجهة عسكرية إلى سياسة دبلوماسية ناجحة، ومهدت الطريق لفتح مكة بعد عامين فقط. وفيما يلي نستعرض تفاصيل هذه العمرة العظيمة بجميع مراحلها كما رواها صفي الرحمن المباركفوري في كتابه القيّم "الرحيق المختوم".

أولاً: سبب عمرة الحديبية

ولما تطورت الظروف في الجزيرة العربية إلى حد كبير لصالح المسلمين، أخذت طلائع الفتح الأعظم ونجاح الدعوة الإسلامية تبدو شيئًا فشيئًا، وبدأت التمهيدات لإقرار حق المسلمين في أداء عبادتهم في المسجد الحرام، الذي كان قد صُدُّوا عنه منذ ستة أعوام.

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام — وهو بالمدينة — أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا، وحلق بعضهم وقصّر بعضهم. فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر.

ثانيًا: استنفار المسلمين وخروجهم إلى مكة

واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا معه، فأبطأ كثير من الأعراب. أما هو فغسل ثيابه، وركب ناقته القَصْواء، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم أو نُمَيْلَة الليثي. وخرج منها يوم الإثنين غرة ذي القعدة سنة 6 هـ، ومعه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة — ويقال: ألف وخمسمائة — ولم يخرج معه بسلاح إلا سلاح المسافر: السيوف في القُرُب.

وتحرك في اتجاه مكة، فلما كان بذي الحُلَيْفَة قَلَّد الهدي وأشْعَرَه، وأحرم بالعمرة؛ ليأمن الناس من حربه، وبعث بين يديه عَيْنًا له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبًا من عُسْفَان أتاه عينه فقال: "إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعًا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت".

فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال: (أترون نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوا يكن عنق قطعها الله، أم تريدون أن نؤم هذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟) فقال أبو بكر: "الله ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فروحوا)، فراحوا.

ثالثًا: محاولة قريش صد المسلمين عن البيت

وكانت قريش لما سمعت بخروج النبي صلى الله عليه وسلم عقدت مجلسًا استشاريًا قررت فيه صد المسلمين عن البيت كيفما يمكن. وبعد أن أعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأحابيش، نقل إليه رجل من بني كعب أن قريشًا نازلة بذي طُوَى، وأن مائتي فارس في قيادة خالد بن الوليد مرابطة بكُرَاع الغَمِيم في الطريق الرئيسي الذي يوصل إلى مكة.

وقد حاول خالد صد المسلمين فقام بفرسانه إزاءهم يتراءى الجيشان. ورأى خالد المسلمين في صلاة الظهر يركعون ويسجدون، فقال: "لقد كانوا على غرة، لو كنا حملنا عليهم لأصبنا منهم"، ثم قرر أن يميل على المسلمين — وهم في صلاة العصر — ميلة واحدة، ولكن الله أنزل حكم صلاة الخوف، ففاتت الفرصة خالدًا.

رابعًا: تبديل الطريق ومعجزة بروك الناقة

وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقًا وَعْرًا بين شعاب، وسلك بهم ذات اليمين بين ظهري الحَمْض في طريق تخرجه على ثنية المُرَار مهبط الحديبية من أسفل مكة، وترك الطريق الرئيسي الذي يفضي إلى الحرم مارًّا بالتنعيم، تركه إلى اليسار. فلما رأى خالد قَتَرَة الجيش الإسلامي قد خالفوا عن طريقه انطلق يركض نذيرًا لقريش.

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بثنية المرار بركت راحلته، فقال الناس: "حَلْ حَلْ"، فألَحَّتْ، فقالوا: "خلأت القصواء" — أي وقفت ولم تَبْرَح — فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلق، ولكن حبسها حابس الفيل). ثم قال: (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)، ثم زجرها فوثبت به.

فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يلبث أن نزحوه. فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهماً من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا.

خامسًا: وساطة بُدَيْل بن وَرْقَاء ورسل قريش

ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي في نفر من خزاعة — وكانت خزاعة عَيْبَة نُصْح لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تُهَامَة — فقال: "إني تركت كعب بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العُوذ المطَافِيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت".

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، وإن هم أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره).

فرجع بديل إلى قريش فأبلغهم، فبعثت قريش مِكْرَز بن حفص فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هذا رجل غادر"، فرجع كما رجع بديل. ثم جاء الحُلَيْس بن علقمة من كنانة، فلما أشرف على المسلمين ورأى البدن قد قُلِّدت وأُشْعِرت قال: "سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت"، ورجع إلى قريش وأحدث كلامًا أحفظه.

عروة بن مسعود الثقفي — شهادة المحايد

ثم قال عروة بن مسعود الثقفي: "دعوني آته"، فأتاه فجعل يكلمه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من قوله لبديل. فقال له عروة: "أي محمد، أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لا أرى وجوهًا، وإني أرى أوباشًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك". قال له أبو بكر: "امصص بَظْر اللات، أنحن نفر عنه؟" فقال عروة: "من ذا؟" قالوا: "أبو بكر"، قال: "أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت عندي لم أجْزِكَ بها لأجبتُك".

وجعل عروة يكلم النبي صلى الله عليه وسلم وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال: "أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم له، فرجع إلى أصحابه فقال: "أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك — على قيصر وكسري والنجاشي — والله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا. والله إن تَنَخَّمَ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له، وقد عرض عليكم خطة رُشْدٍ فاقبلوها".

سادسًا: محاولة شباب قريش الفاشلة — هو الذي كف أيديهم عنكم

ولما رأى شباب قريش الطائشون الطامحون إلى الحرب رغبة زعمائهم في الصلح، فكروا في خطة تحول بينهم وبين الصلح، فقرروا أن يخرجوا ليلاً ويتسللوا إلى معسكر المسلمين ويحدثوا أحداثًا تشعل نار الحرب. وفعلاً قد قاموا بتنفيذ هذا القرار، فقد خرج سبعون أو ثمانون منهم ليلاً فهبطوا من جبل التنعيم وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين، غير أن محمد بن مسلمة قائد الحرس اعتقلهم جميعًا.

ورغبة في الصلح أطلق سراحهم النبي صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم. وفي ذلك أنزل الله تعالى:

{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24]

سابعًا: عثمان بن عفان سفيرًا إلى قريش

وحينئذ أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث سفيرًا يؤكد لدي قريش موقفه وهدفه من هذا السفر، فدعا عمر بن الخطاب ليرسله إليهم، فاعتذر قائلاً: "يا رسول الله، ليس لي أحد بمكة من بني عدي بن كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما أردت". فدعاه وأرسله إلى قريش، وقال: "أخبرهم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمّارًا، وادعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة حتى لا يستخفي فيها أحد بالإيمان".

فانطلق عثمان حتى مر على قريش بِبَلْدَح، فقالوا: "أين تريد؟" فقال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا"، قالوا: "قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك". وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به ثم أسرج فرسه وحمل عثمان على الفرس وأجاره وأردفه حتى جاء مكة. وبلغ الرسالة إلى زعماء قريش، فلما فرغ عرضوا عليه أن يطوف بالبيت فرفض هذا العرض وأبى أن يطوف حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثامنًا: إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان

واحتبسته قريش عندها — ولعلهم أرادوا أن يتشاوروا فيما بينهم ويبرموا أمرهم ثم يردوا عثمان بجواب ما جاء به — وطال الاحتباس فشاع بين المسلمين أن عثمان قُتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغته الإشاعة: (لا نبرح حتى نُناجز القوم)، ثم دعا أصحابه إلى البيعة فثاروا إليه يبايعونه على ألا يفروا، وبايعته جماعة على الموت.

وأول من بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات: في أول الناس ووسطهم وآخرهم. وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال: (هذه عن عثمان). ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له: جَدُّ بن قَيْس.

أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البيعة تحت شجرة، وكان عمر آخذاً بيده، ومَعْقِل بن يَسَار آخذاً بغصن الشجرة يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها:

{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]

تاسعًا: إبرام الصلح وبنوده

وعرفت قريش ضيق الموقف فأسرعت إلى بعث سُهَيْل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له ألا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدًا. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قد سَهُل لكم أمركم) — أي تيسر — أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فجاء سهيل فتكلم طويلاً ثم اتفقا على قواعد الصلح وهي:

البند الأول:
الرسول صلى الله عليه وسلم يرجع من عامه فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثًا معهم سلاح الراكب (السيوف في القُرُب) ولا يتعرض لهم.

البند الثاني:
وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض.

البند الثالث:
من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأي عدوان تتعرض له أي قبيلة يعتبر عدوانًا على ذلك الفريق.

البند الرابع:
من أتى محمدًا من قريش من غير إذن وليه ردَّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردَّ عليه.

كتابة الصلح ومسألة "الرسول"

ثم دعا عليًّا ليكتب الكتاب فأملى عليه: (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل: "أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم". فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. ثم أملى: (هذا ما صالح عليه محمد رسول الله) فقال سهيل: "لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني رسول الله وإن كذبتموني)، وأمر عليًّا أن يمحو لفظ "رسول الله" فأبى عليّ أن يمحو هذا اللفظ، فمحاه صلى الله عليه وسلم بيده.

ولما تم الصلح دخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم — وكانوا حليف بني هاشم منذ عهد عبد المطلب — ودخلت بنو بكر في عهد قريش.

عاشرًا: رد أبي جندل — مشهد مؤثر

وبينما الكتاب يُكتب إذ جاء أبو جَنْدَل بن سهيل يَرْسُفُ في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال سهيل: "هذا أول ما أقاضيك عليه على أن ترده". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نقض الكتاب بعد). فقال سهيل: "فوالله إذا لا أقاضيك على شيء أبدًا". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فأجزه لي)، قال: "ما أنا بمجيزه لك"، قال: (بلى فافعل)، قال: "ما أنا بفاعل".

وقد ضرب سهيل أبا جندل في وجهه وأخذ بتلابيبه وجرّه ليرده إلى المشركين، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: "يا معشر المسلمين، أأُردُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله فلا نغدر بهم).

فوثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: "اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب"، ويدني قائم السيف منه، يقول عمر: "رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه، ونفذت القضية".

حادي عشر: النَّحْر والحَلْق والحِلُّ عن العمرة

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضية الكتاب قال: (قوموا فانحروا)، فوالله ما قام منهم أحد حتى قال ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: "يا رسول الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك". فقام فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدْنَه ودعا حالقه فحلقه.

فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. وكانوا نحروا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم جملًا كان لأبي جهل كان في أنفه بُرَةٌ من فضة ليغيظ به المشركين. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثًا بالمغفرة وللمقصرين مرة. وفي هذا السفر أنزل الله فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام أو الصدقة أو النسك في شأن كعب بن عُجْرَة.

ثاني عشر: الإباء عن رد المهاجرات

ثم جاء نسوة مؤمنات فسأل أولياؤهن أن يردوهن عليهم بالعهد الذي تم في الحديبية، فرفض طلبهم هذا؛ بدليل أن الكلمة التي كتبت في المعاهدة بصدد هذا البند هي: "وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته علينا"، فلم تدخل النساء في العقد رأسًا. وأنزل الله في ذلك:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} حتى بلغ {بِعِصَمِ الْكَافِرِ} [الممتحنة: 10]

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحنهن بقوله تعالى: {إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا...} إلخ [الممتحنة: 12]، فمن أقرت بهذه الشروط قال لها: (قد بايعتك) ثم لم يكن يردهن. وطلق المسلمون زوجاتهم الكافرات بهذا الحكم، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، تزوج بإحداهما معاوية وبالأخرى صفوان بن أمية.

ثالث عشر: ماذا يتمخض عن بنود المعاهدة — الفتح المبين

هذا هو صلح الحديبية، ومن سبر أغوار بنوده مع خلفياته لا يشك أنه فتح عظيم للمسلمين. فقريش لم تكن تعترف بالمسلمين أي اعتراف بل كانت تهدف استئصال شأفتهم، ومجرد الجنوح إلى الصلح اعتراف بقوة المسلمين وأن قريشًا لا تقدر على مقاومتهم.

تحليل البنود:

  • البند الثالث: يدل على أن قريشًا نسيت صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية، وأنها لا يهمها الآن إلا نفسها، أما سائر الناس فلو دخلوا في الإسلام بأجمعهم فلا يهم ذلك قريشًا — أليس هذا فشلاً ذريعًا لقريش وفتحًا مبينًا للمسلمين؟
  • البند الثاني: وضع الحرب عشر سنين حدًّا لغطرسة قريش وصدّها عن سبيل الله، ودليل على فشل من بدأ بالحرب وعلى ضعفه وانهياره.
  • البند الأول: حد لصد قريش عن المسجد الحرام، وهو أيضًا فشل لقريش ليس فيه ما يشفيها سوى أنها نجحت في الصد لذلك العام الواحد فقط.
  • البند الرابع: تافه جدًّا، فالمسلم ما دام مسلمًا لا يفر عن الله ورسوله، ومن ارتد فلا حاجة إليه. وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: (إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله) وقوله: (ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا).

إن الحروب الدامية لم يكن هدفها — بالنسبة للمسلمين — مصادرة الأموال وإبادة الأرواح، وإنما كان الهدف الوحيد هو الحرية الكاملة للناس في العقيدة والدين {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر} [الكهف: 29]. وقد حصل هذا الهدف بجميع أجزائه بطريق ربما لا يحصل بمثله في الحروب. فبينما كان عدد المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف قبل الهدنة صار عدد الجيش الإسلامي في سنتين عند فتح مكة عشرة آلاف.

رابع عشر: حزن المسلمين ومناقشة عمر للنبي صلى الله عليه وسلم

هذه هي حقيقة بنود هذا الصلح، لكن هناك ظاهرتان عمت لأجلهما المسلمين كآبة وحزنًا شديدًا:

الأولى: أنه كان قد أخبرهم أنهم سيأتون البيت ف يطوفون به، فما له يرجع ولم يطف به؟

الثانية: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق والله وعد إظهار دينه، فما له قبل ضغط قريش وأعطى الدَّنِيَّة في الصلح؟

ولعل أعظمهم حزنًا كان عمر بن الخطاب، فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟" قال: (بلى). قال: "أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟" قال: (بلى). قال: "ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟" قال: (يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري ولن يضيعني أبدًا). قال: "أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟" قال: (بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟) قال: "لا"، قال: (فإنك آتيه ومطوف به).

ثم انطلق عمر متغيظًا فأتى أبا بكر فقال له كما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليه أبو بكر كما رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم سواء وزاد: "فاستمسك بغَرْزِه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق".

ثم نزلت: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا...} إلخ [سورة الفتح: 1]، فأرسل رسول الله إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: "يا رسول الله، أو فتح هو؟" قال: (نعم). فطابت نفسه ورجع.

ثم ندم عمر على ما فرط منه ندماً شديدًا، قال عمر: "فعملت لذلك أعمالاً، مازلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرًا".

خامس عشر: انحلت أزمة المستضعفين

ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واطمأن بها، انفلت رجل من المسلمين ممن كان يعذب في مكة وهو أبو بَصِير — رجل من ثقيف حليف لقريش — فأرسلوا في طلبه رجلين وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: "العهد الذي جعلت لنا". فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحُلَيْفَة فنزلا يأكلان من تمر لهما.

فقال أبو بصير لأحد الرجلين: "والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا"، فاستله الآخر وقال: "أجل، والله إنه لجيد، لقد جَرَّبْتُ به ثم جَرَّبْتُ". فقال أبو بصير: "أرني أنظر إليه"، فأمكنه منه فضربه حتى ردّه. وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: (لقد رأى هذا ذعرًا). فلما انتهى قال: "قُتل صاحبي وإني لمقتول".

فجاء أبو بصير فقال: "يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويل أمه، مِسْعَر حَرْبٍ لو كان له أحد). فلما سمع أبو بصير ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سِيفَ البحر. وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة. فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم.

فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فقدموا عليه المدينة. وهكذا سقط البند الرابع عمليًّا بفضل هذه العصابة التي تكونت بطريقة لم يتوقعها أحد، وتبين أن ما ظنه المسلمون تنازلاً كان في حقيقته فتحًا ومخرجًا للمستضعفين.

سادس عشر: إسلام أبطال من قريش

وفي سنة 7 من الهجرة — بعد هذا الصلح — أسلم ثلاثة من أعظم أبطال قريش وقادتها العسكريين، وهم: عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة. ولما حضروا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها).

وهذا يدل دلالة واضحة على أن صلح الحديبية كسر حاجز الخوف من الإسلام في نفوس كبار شخصيات قريش، فقد رأوا أن المسلمين أصبحوا قوة لا يُغلبون وأن الإسلام دين لا يُقهر، فكان هذا الصلح — الذي ظنه كثير من المسلمين تنازلاً — سببًا مباشرًا في إسلام صفوة من أبطال قريش، الذين ما كان ليتجرأوا على الإسلام لولا أن هيبة الدولة الإسلامية وتوازن القوى ظهرت جليًّة بعد الحديبية.

أسئلة مقترحة للمراجعة والنقاش

1. ما سبب عمرة الحديبية؟ وما الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يدخل المسجد الحرام؟

2. لماذا اعتذر عمر بن الخطاب عن الذهاب سفيرًا إلى قريش؟ وما الحكمة من اختيار عثمان بن عفان بدلاً منه؟

3. اشرح بنود صلح الحديبية الأربعة بالتفصيل، مع بيان أثر كل بند على مسار الدعوة الإسلامية.

4. ما الظروف التي أحاطت ببيعة الرضوان؟ وما دلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم "هذه عن عثمان"؟

5. لماذا رفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب "محمد رسول الله" في صلح الحديبية مع أن سهيل بن عمرو أنكر هذه الصفة؟

6. اشرح موقف أبي جندل بن سهيل عند كتابة الصلح، وماذا يدل على صبره وثباته على دينه رغم المعاناة؟

7. ناقش اعتراضات عمر بن الخطاب على صلح الحديبية، وكيف رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق؟

8. كيف انحلت أزمة المستضعفين بمكة بعد صلح الحديبية؟ وما دور أبو بصير وعصابته في إسقاط البند الرابع عمليًّا؟

9. لماذا سمى الله تعالى صلح الحديبية "فتحًا مبينًا" في سورة الفتح؟ وما الدليل على أنه كان فتحًا حقيقيًّا وليس تنازلاً؟

10. ماذا يستفاد من شهادة عروة بن مسعود الثقفي عن تعظيم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له مقارنة بملوك الروم وفارس والحبشة؟

11. ما الفرق بين مسألة رد المهاجرين من الرجال ومسألة رد المهاجرات من النساء في صلح الحديبية؟ وما الحكم الشرعي في كل منهما؟

12. اربط بين إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة وبين نتائج صلح الحديبية، مع بيان دلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم "إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها".

هكذا كانت عمرة الحديبية — التي ظنها كثير من الصحابة هزيمة وتنازلاً — فإذا هي أعظم فتح في تاريخ الإسلام، حيث تحولت الموازين واعترفت قريش بالمسلمين كقوة ندٍّّ لا يمكن القضاء عليها، وانفتحت أبواب الدعوة للقبائل العربية دون حواجز، وأصبح الإسلام في عامين فقط من ثلاثة آلاف إلى عشرة آلاف مقاتل، مما مهد لفتح مكة في العام الثامن الهجري دون إراقة دماء. وفي ذلك يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الفتح: 28].

الكتاب: الرحيق المختوم — المؤلف: صفي الرحمن المباركفوري

صندوق التعليقات