غزوة بدر هي أول معركة فاصلة في تاريخ الإسلام، فرقت بين الحق والباطل فرقًا نهائيًا، وغيرت مجرى التاريخ البشري. انتصر فيها ثلاثمائة وثلاثة عشر مسلمًا مؤمنًا على أكثر من ألف مقاتل من قريش بفضل الله ثم بحكمة القيادة النبوية والعقيدة الراسخة. في هذا المقال نستعرض وقائع هذه الغزوة العظيمة بتفصيل كامل كما رواها الشيخ المباركفوري.
📑 فهرس المقال
- سبب الغزوة — العير القريشية
- قوة الجيش الإسلامي وتوزيع القيادات
- النذير في مكة وتجهز الجيش المكي
- العير تفلت والانشقاق في جيش مكة
- المجلس الاستشاري — موقف المقداد وسعد بن معاذ
- الاستكشاف والاستيلاء على المراكز العسكرية
- ساعة الصفر — المبارزة والهجوم العام
- نزول الملائكة والهزيمة الساحقة ومصرع أبي جهل
- من روائع الإيمان وقتلى الفريقين
- قضية الأسارى والقرآن يتحدث حول المعركة
- أسئلة مقترحة للاختبار والمراجعة
أولًا: سبب الغزوة — العير القريشية الضخمة
سبق في ذكر غزوة ذي العشيرة أن عيرًا لقريش أفلتت من النبي ﷺ في ذهابها من مكة إلى الشام. فلما قرب رجوعها من الشام بعث رسول الله ﷺ طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى الشمال ليقوما باكتشاف خبرها، فوصلا إلى الحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير، فأسرعا إلى المدينة وأخبرا رسول الله ﷺ الخبر.
وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائهم: ألف بعير موقرة بأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبي، ولم يكن معها من الحرب إلا نحو أربعين رجلًا. إنها فرصة ذهبية للمسلمين ليصيبوا أهل مكة بضربة اقتصادية قاصمة، لذلك أعلن رسول الله ﷺ:
💡 ملاحظة مهمة: ولم يعزم على أحد بالخروج بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة بدل العير هذا الاصطدام العنيف في بدر؛ ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة وهم يحسبون أن الأمر لن يعدو ما ألفوه في السرايا الماضية؛ ولذلك لم يُنكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة.
ثانيًا: مبلغ قوة الجيش الإسلامي وتوزيع القيادات
استعد رسول الله ﷺ للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً (313 أو 314 أو 317): 82 أو 83 أو 86 من المهاجرين، و61 من الأوس، و170 من الخزرج. ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفالًا بليغًا ولا اتخذوا أهبتهم كاملة، فلم يكن معهم إلا فرس أو فرسان: فرس للزبير بن العوام وفرس للمقداد بن الأسود الكندي. وكان معهم سبعون بعيرًا يعتقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وكان رسول الله ﷺ وعليّ ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا واحدًا.
📋 التشكيل القيادي للجيش الإسلامي
| القائد الأعلى | رسول الله ﷺ |
| لواء القيادة العامة (أبيض) | مصعب بن عمير القرشي العبدري |
| راية المهاجرين (سوداء — العقاب) | عليّ بن أبي طالب |
| راية الأنصار (سوداء) | سعد بن معاذ |
| قيادة الميمنة | الزبير بن العوام |
| قيادة الميسرة | المقداد بن عمرو |
| قيادة الساقة | قيس بن أبي صعصعة |
| مستخلف المدينة | ابن أم مكتوم ثم أبا لبابة |
وسار رسول الله ﷺ فخرج من نقب المدينة ومضى على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكة حتى بلغ بئر الروحاء، فلما ارتحل منها ترك طريق مكة إلى اليسار وانحرف ذات اليمين على النازية يريد بدرًا، فسلك في ناحية منه حتى جزع واديًا يقال له رحقان بين النازية وبين مضيق الصفراء، ثم بعث بسبس بن عمرو الجني وعيدي بن أبي الزغباء الجهي إلى بدر يتجسسان له أخبار العير.
ثالثًا: النذير في مكة وتجهز الجيش المكي
⚠️ استصراخ أبي سفيان — ضمضم بن عمرو الغفاري
وأما أبو سفيان فإنه كان على غاية من الحيطة والحذر، يتحسس الأخبار ويسأل من لقى من الركبان. ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته أن محمدًا ﷺ قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنفير، فخرج ضمضم سريعًا حتى أتى مكة فخرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، وقد جدع أنفه وحول رحله وشقق قميصه وهو يقول:
فتحفز الناس سراعًا وقالوا: «أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك!» فكانوا بين رجلين: إما خارج وإما باعث مكانه رجلًا. وأوعبوا في الخروج فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب فإنه عوض عنه رجلًا كان له عليه دين.
📊 قوام الجيش المكي
نحو ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية سيره، ومعه مائة فرس وستمائة درع وجمال كثيرة لا يعرف عددها بالضبط، وقائده العام أبو جهل بن هشام. وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش ينحرون يومًا تسعًا ويومًا عشرًا من الإبل.
😄 تدخل إبليس مجددًا: ولما أجمع الجيش على المسير ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداوة فخافوا أن تضربهم من الخلف فيكونوا بين نارين، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي — سيد بني كنانة — فقال لهم: «أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه»!
رابعًا: العير تفلت والانشقاق في جيش مكة
كان أبو سفيان يسير على الطريق الرئيسي ولكنه لم يزل حذرًا متيقظًا. ولما اقترب من بدر تقدم عيره حتى لقى مَجْدِيّ بن عمرو فسأله عن جيش المدينة، فقال: ما رأيت أحدًا أنكره إلا إني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا. فبادر أبو سفيان إلى مناخهما فأخذ من أبعار بعيرهما ففته فإذا فيه النوى فقال: «هذه والله علائف يثرب!» فرجع سريعًا وضرب وجه العير محولًا اتجاهها نحو الساحل غربًا تاركًا الطريق الرئيسي الذي يمر بدرًا، وبهذا نجا بالقافلة وأرسل رسالته إلى جيش مكة في الجحفة.
⚔️ كبرياء أبي جهل يمنع الانسحاب
ولما تلقى جيش مكة الرسالة همّ بالرجوع، ولكن قام أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائلًا:
وأشار الأخنس بن شريق بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهْرة — وكانوا حوالى ثلاثمائة رجل — فلم يشهد بدرًا زُهْري واحد، واغتبطت بنو زهرة بعدُ برأي الأخنس. وسار جيش مكة وقوامه ألف مقاتل بعد رجوع بني زهرة.
خامسًا: المجلس الاستشاري — موقف المقداد وسعد بن معاذ الخالد
أما استخبارات جيش المدينة فقد نقلت إلى رسول الله ﷺ — وهو في وادي ذَفِرَان — خبر العير والنفير، وتأكد لديه أنه لا بد من إقدام يبني على الشجاعة والبسالة. ونظرًا إلى هذا التطور الخطير عقد رسول الله ﷺ مجلسًا عسكريًا استشاريًا أعلى. وحينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس وهم الذين قال الله فيهم:
فقام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال:
«يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون}، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه!»
فأحب النبي ﷺ أن يعرف رأي الأنصار لأنهم يمثلون أغلبية الجيش ولأن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم، فقال: «أشيروا عليّ أيها الناس» — وإنما يريد الأنصار — ففطن سعد بن معاذ فقال: «والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟» قال: «أجل». فقال سعد:
«فقد آمنا بك فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُر في الحرب صُدَق في اللقاء. فاظعن حيث شئت وصل حبل من شئت واقطع حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك. فهو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غِمْدان لنسيرن معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك!»
سادسًا: الاستكشاف والاستيلاء على المراكز العسكرية
النبي ﷺ يقوم بنفسه بالاستكشاف
قام النبي ﷺ بنفسه بعملية الاستكشاف مع أبي بكر الصديق، ولقياهما شيخ من العرب فسأله النبي ﷺ عن قريش وعن محمد وأصحابه — سأل عن الجيشين زيادة في التكتم — فأخبره الشيخ بمواقعهما. فلما سأله الشيخ: ممن أنتما؟ قال النبي ﷺ: «نحن من ماء»، وبقي الشيخ يتفوه: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟
الحصول على أهم المعلومات عن الجيش المكي
بعث النبي ﷺ ثلاثة من قادة المهاجرين: عليّ والزبير وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر، فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة فألقوا عليهما القبض. ولما كذباهما ضربوهما ضربًا موجعًا فاضطرا للاعتراف، فقال النبي ﷺ كالعاتب: «إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش».
ثم سألهما: «كم القوم؟» قالا: كثير. قال: «ما عدتهم؟» قالا: لا ندري. قال: «كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا. فقال النبي ﷺ: «القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف». ثم سأل عن أشراف قريش فعدّوا له عتبة وشيبة وأبا البختري وحكيم بن حزام ونوفلًا والحارث وطعيمة والنضر وزمعة وأبا جهل وأمية بن خلف في رجال سماهم. فأقبل النبي ﷺ على الناس فقال:
نزول المطر
وأنزل الله في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلا طهرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان ووطأ به الأرض وصلب الرمل وثبت الأقدام: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} [الأنفال: 11]
مشورة الحُبَاب بن المنذر العسكرية
تحرك النبي ﷺ ليسبق المشركين إلى ماء بدر فنزل أدنى ماء من مياه بدر، فقام الحُبَاب بن المنذر كخبير عسكري وقال: «يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟» قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة». قال: «يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننزله ونُغَوِّر ما وراءه من القُلُب ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون». فقال النبي ﷺ: «لقد أشرت بالرأي».
مقر القيادة (العريش)
اقترح سعد بن معاذ بناء عريش للقيادة فقال: «يا نبي الله ألا نبني لك عريشًا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا». فبني المسلمون عريشًا على تل مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال ويشرف على ساحة المعركة، مع فرقة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ تحرس النبي ﷺ.
تعبئة الجيش وقضاء الليلة
عبأ النبي ﷺ جيشه ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده: «هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله». ثم بات النبي ﷺ يصلي إلى جذع شجرة، وبات المسلمون هادئي الأنفاس منيري الآفاق غمرت الثقة قلوبهم. كانت هذه الليلة ليلة الجمعة السابعة عشرة من رمضان سنة 2هـ.
سابعًا: ساعة الصفر — المبارزة والهجوم العام
الجيشان يتراءان
ولما تراءى الجمعان قال النبي ﷺ: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخُيَلائها وفَخْرها تُحَادُّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أَحْنِهِم الغداة». وعدّل صفوف المسلمين، وفي أثناء ذلك وقع أمر عجيب مع سواد بن غَزِيّة حيث اعتنقه وقبل بطنه وقال: «ما حملك على هذا يا سواد؟» قال: «يا رسول الله قد حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك». ثم أصدر أوامره: «إذا أكثبوكم — اقتربوا منكم — فارموهم واستبقوا نبلكم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم».
أول وقود المعركة — الأسود بن عبد الأسد
كان أول وقود المعركة الأسود بن عبد الأسد المخزومي — رجل شرس سيء الخلق — خرج قائلًا: «أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه». فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب فضربه فأطَنّ قدمه بنصف ساقه دون الحوض، فحبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه فثنى عليه حمزة بضربة أخرى أتت عليه.
المبارزة الكبرى
خرج ثلاثة من خيرة فرسان قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة يطلبون المبارزة. فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار فقالوا: «أكِفَّاء كرام ما لنا بكم حاجة وإنما نريد بني عمنا». فنادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال النبي ﷺ: «قم يا عبيدة بن الحارث وقم يا حمزة وقم يا عليّ». فبارز عبيدة عتبة — وكان أسن القوم — وبارز حمزة شيبة وبارز عليّ الوليد. فأما حمزة وعليّ فلم يمهلا قرنيهما أن قتلاهما، وأما عبيدة فاختلف بينه وبين قرنه ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم كرّ حمزة وعليّ على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله فلم يزل ضَمِنًا حتى مات بالصفراء بعد أربعة أو خمسة أيام.
الهجوم العام
كانت نهاية المبارزة بداية سيئة للمشركين فقد فقدوا ثلاثة من خيرة فرسانهم دفعة واحدة فاستشاطوا غضبًا وكروا على المسلمين كرة رجل واحد. وأما المسلمون فتلقوا هجماتهم وهم مرابطون في مواقعهم يقلبون صفوفهم ويقطعون الأعناق وهم يقولون: «أحد أحد».
ثامنًا: نزول الملائكة والهزيمة الساحقة ومصرع أبي جهل
أما رسول الله ﷺ فكان يناشد ربه ما وعده من النصر قائلًا: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك»، حتى إذا حَمِيَ الوَطِيس واحتدم القتال قال: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا» وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه فرده عليه الصديق وقال: «حسبك يا رسول الله ألححت على ربك».
وأغفي النبي ﷺ إغفاءة واحدة ثم رفع رأسه فقال: «أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثَنَاياه النَّقْع». ثم خرج من العريش وهو يثب في الدرع ويقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} ثم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشًا وقال: «شاهت الوجوه» ورمى بها في وجوههم فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه. وفي ذلك: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]
ثم أصدر أوامره بالهجوم المضاد: «شدوا!» وقال: «والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة» وقال: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض». فقام عمير بن الحُمَام فأخرج تمرات من قَرَنه فجعل يأكل ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بها ثم قاتل حتى قتل.
💪 آثار الملائكة في المعركة: قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: «أقدم حَيْزُوم» فنظر إلى المشرك فخر مستلقيًا وقد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط. فجاء الأنصاري فحدث النبي ﷺ فقال: «صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة». وقال أبو داود المازني: إني لأتبع رجلًا من المشركين إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي. وقال عليّ: قال لي النبي ﷺ يوم بدر: «مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال».
إبليس ينسحب
ولما رأى إبليس — في صورة سراقة بن مالك — ما يفعل الملائكة بالمشركين فرّ ونكص على عقبيه وتشبث به الحارث بن هشام فوكز في صدره فألقاه ثم خرج هاربًا. فقالوا له: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت إنك جار لنا؟ فقال: {إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] ثم فر حتى ألقى نفسه في البحر!
مصرع أبي جهل — فرعون هذه الأمة
كان طاغية قريش يحاول أن يصمد فجعل يشجع جيشه، لكن عاصفة هجوم المسلمين بددت صفوفه. ورآه المسلمون يجول على فرسه وكان الموت ينتظر أن يشرب من دمه بأيدي غلامين أنصاريين: معاذ بن عمرو بن الجموح ومُعَوِّذ بن عفراء. قال عبد الرحمن بن عوف: إني لفي الصف إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فقال لي أحدهما: «يا عم أرني أبا جهل... والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا» فابتدراه فضرباه حتى قتلاه.
ولما انتهت المعركة قال النبي ﷺ: «من ينظر ما صنع أبو جهل؟» فوجده عبد الله بن مسعود وبه آخر رمق فوضع رجله على عنقه وأخذ لحيته فقال: «هل أخزاك الله يا عدو الله؟» قال أبو جهل: «وبماذا أخزاني؟ أأعمد من رجل قتلتموه؟ أو هل فوق رجل قتلتموه؟ أخبرني لمن الدائرة اليوم؟» قال: «لله ورسوله» فقال أبو جهل — وكان ابن مسعود من رعاة الغنم —: «لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رُوَيْعِى الغنم». ثم احتز رأسه وجاء به إلى النبي ﷺ فقال: «الله الذي لا إله إلا هو؟» فرددها ثلاثًا ثم قال: «الله أكبر الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده... انطلق أرنيه» فلما أراه إياه قال: «هذا فرعون هذه الأمة».
تاسعًا: من روائع الإيمان وقتلى الفريقين
تجلت في بدر مناظر رائعة تبرز قوة العقيدة:
1. أبو حذيفة يكاد يقتل عمه العباس: قال النبي ﷺ: «لا يقتل أحد من بني هاشم... ولا يقتل العباس فإنه أخرج مستكرهًا». فقال أبو حذيفة — وكان العباس عمه — «أنقتل آباءنا وأبناءنا ونترك العباس؟ والله لئن لقيته لألحمنه بالسيف». فقال عمر: «يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق». فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة حتى تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدًا.
2. موت أبي البختري رغم النهي: كان النبي ﷺ قد نهى عن قتل أبي البختري لكفه عن رسول الله ﷺ بمكة، لكن المُجَذِّر بن زياد لقيه ومعه زميل له فقال: إن رسول الله ﷺ نهانا عن قتلك فقال: «وزميلي؟» قال: «لا والله ما نحن بتاركي زميلك» فاقتتلا فاضطر المجذر إلى قتله.
3. عبد الرحمن بن عوف وأمية بن خلف وبلال: كانا صديقين في الجاهلية فلما أسره عبد الرحمن قال أمية: «هل لك في؟ أنا خير من هذه الأدراع، ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟» — يريد فداء كثيرًا. فأخذ يمشي بهما إذ رآهما بلال — وكان أمية يعذبه بمكة — فصرخ: «رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا!». فقال عبد الرحمن: «أي بلال أسيري!» قال: «لا نجوت إن نجا». فأحاطوا بهما فَهَبَرُوهما فكان عبد الرحمن يقول: «يرحم الله بلالًا ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري».
4. عمر يقتل خاله العاص بن هشام: قتل عمر رضي الله عنه خاله العاص بن هشام ولم يلتفت إلى قرابته، لكنه قال للعباس — وهو في الأسر —: «يا عباس أسلم فوالله أن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله ﷺ يعجبه إسلامك».
5. أبو بكر ينا曙 ابنه: نادى أبو بكر ابنه عبد الرحمن — وهو مع المشركين — فقال: «أين مالي يا خبيث؟» فقال عبد الرحمن: «لم يبق غير شكة ويَعْبُوب وصارم يقتل ضُلَّال الشيخ».
6. سعد بن معاذ يكره الإثخان: رأى النبي ﷺ في وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس بالأسرى فقال: «والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟» قال: «أجل والله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك فكان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال».
7. سيف عكاشة بن محصن: انقطع سيف عكاشة فأعطاه النبي ﷺ جذل حطب فقال: «قاتل بهذا» فلما أخذه منه هزه فعاد سيفًا طويل القامة شديد المتن أبيض الحيدة يسمى العَوْن.
8. مصعب بن عمير وأخوه الأسير: مر مصعب بأخيه أبي عزيز الأسير فقال للأنصاري الذي شد يده: «شد يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه». فقال أبو عزيز لأخيه: «أهذه وصاتك بي؟» فقال مصعب: «إنه — أي الأنصاري — أخي دونك».
9. أبو حذيفة وأبوه عتبة: لما ألقيت جيف المشركين في القليب نظر النبي ﷺ في وجه ابنه أبي حذيفة فإذا هو كئيب فقال: «لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟» قال: «لا والله ما شككت في أبي ولا مصرعه، ولكنني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلًا فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه أحزنني». فدعا له النبي ﷺ بخير.
قتلى الفريقين
استشهد من المسلمين أربعة عشر رجلًا: ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار. وقتل من المشركين سبعون وأسر سبعون وعامتهم القادة والزعماء والصناديد. وأمر النبي ﷺ بأن يُسحبوا إلى قليب بدر ثم وقف عليهم فقال: «بئس العشيرة كنتم لنبيكم؛ كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس». ثم ناداهم بأسمائهم: «أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟» فقال عمر: «يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟» قال: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يجيبون».
عاشرًا: مكة تتلقى نبأ الهزيمة — والمدينة تتلقى أنباء النصر — وقضية الأسارى
فر المشركون في صورة غير منظمة تبعثروا في الوديان والشعاب. وكان أول من قدم بمصاب قريش الحَيْسُمان بن عبد الله الخزاعي فأخذ يعدد أشراف قريش المقتولين. وروى أبو رافع مولى رسول الله ﷺ أن أبا سفيان بن الحارث لما قدم بمكة أخبرهم أن رجالًا بيضًا على خيل بُلْق بين السماء والأرض لم تُلِق شيئًا ولا يقوم لها شيء. فرفع أبو رافع طنب الحجرة وقال: «تلك والله الملائكة!» فضرب أبو لهب وجهه ضربة شديدة فثاورته فاحتمله فضربه بالأرض، فقامت أم الفضل بعمود فضربته به ضربة فَلَعَت في رأسه شجة منكرة. وما عاش أبو لهب إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته.
أما المدينة فقد أرسل النبي ﷺ بشيرين: عبد الله بن رواحة إلى أهل العالية وزيد بن حارثة إلى أهل السافلة. وكان المنافقون قد أشاعوا خبر مقتل النبي ﷺ حتى إن أحدهم رأى زيدًا راكبًا القَصْوَاء فقال: «لقد قتل محمد!» فلما بلغ الرسولان عمّ البهجة والسرور واهتزت أرجاء المدينة تهليلًا وتكبيرًا.
أقام النبي ﷺ بدر ثلاثة أيام ثم تحرك نحو المدينة. وفي الطريق أمر بقتل النضر بن الحارث فضرب عنقه عليّ بن أبي طالب، وأمر بقتل عُقْبَة بن أبي مُعَيْط — الذي كان ألقى سَلَج جزور على ظهر النبي ﷺ وهو يصلي وخنقه بردائه — فقتله عاصم بن ثابت. وفي الصفراء قسم الغنائم على المسلمين على السواء بعد الخمس.
قضية الأسارى
استشار النبي ﷺ أصحابه في الأسارى. فقال أبو بكر: «هؤلاء بنو العم والعشيرة وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون قوة لنا وعسى أن يهديهم الله». وقال عمر: «والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان فأضرب عنقه وتمكن عليًا من عقيل فليضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين». فهوى النبي ﷺ ما قال أبو بكر وأخذ الفداء. فلما كان من الغد وجد النبي ﷺ وأبو بكر يبكيان فقال: «أبكى للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، فقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة». وأنزل الله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67].
كان الفداء من أربعة آلاف إلى ألف درهم، ومن لم يكن عنده فداء دفع عشرة غلمان يعلمهم. ومنّ النبي ﷺ على عدة منهم بغير فداء، ومنّ على ختنه أبي العاص بشرط أن يخلي سبيل زينب بنت النبي ﷺ. ورفض النبي ﷺ طلب عمر بقلع ثنيتي سهيل بن عمرو احترازًا عن المثلة. والصحابة يأكلون التمر ويقدمون لأسرائهم الخبز عملًا بوصية النبي ﷺ.
القرآن يتحدث حول المعركة
نزلت سورة الأنفال تعليقًا إلهيًا على المعركة، لفت أنظار المسلمين إلى بعض التقصيرات الأخلاقية، ثم بين ما كان من تأييد الله ونصره لئلا يغتروا بشجاعتهم، ثم بين الأهداف النبيلة من المعركة، وخاطب المشركين والمنافقين واليهود وأسارى المعركة، وقنن مبادئ الغنائم وقوانين الحرب والسلم، وبين بنودًا من قوانين الدولة الإسلامية. وفي هذه السنة فُرض صيام رمضان وزكاة الفطر وبُيِّنت أنصبة الزكاة الأخرى، وكان أول عيد تعيد به المسلمون هو العيد الذي وقع في شوال سنة 2هـ إثر الفتح المبين في غزوة بدر.
❓ أسئلة مقترحة للاختبار والمراجعة
السؤال الأول: اذكر سبب غزوة بدر المباشر (العير القريشية) وكيف تحولت من عملية اعتراض عير إلى معركة فاصلة مع جيش مكة؟
السؤال الثاني: اذكر التشكيل القيادي الكامل للجيش الإسلامي في بدر مع بيان القائد الأعلى وحملة الألوية والرايات وقادة الميمنة والميسرة والساقة ومستخلف المدينة.
السؤال الثالث: كيف تمكن أبو سفيان من تفلت عيره من جيش المدينة، وما هي الحيلة الاستكشافية التي استخدمها في معرفة توجه الجيش الإسلامي؟
السؤال الرابع: اشرح دور إبليس في غزوة بدر من لحظة مشكلة بني بكر وحتى انسحابه من ميدان القتال، مع ذكر الآية التي تلاها عند انسحابه.
السؤال الخامس: اشرح موقف المقداد بن عمرو وموقف سعد بن معاذ في المجلس الاستشاري بالتفصيل، وما الذي يميز كل موقف عن الآخر؟
السؤال السادس: ما هي مشورة الحُبَاب بن المنذر العسكرية في اختيار مكان النزول، وكيف أثبتت هذه المشورة كفاءه العسكري للحُبَاب؟
السؤال السابع: اشرح كيف حصل النبي ﷺ على معلومات دقيقة عن عدد جيش مكي من خلال أسيرَي الماء، وماذا يعني قوله «القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف»؟
السؤال الثامن: اشرح أحداث المبارزة الكبرى (عبيدة وحمزة وعليّ مقابل عتبة وشيبة والوليد) مع بيان مصير كل مبارز.
السؤال التاسع: اذكر ثلاثة أدلة على نزول الملائكة في بدر من الروايات الواردة في النص، مع بيان دور كل جبريل وميكائيل وإسرافيل.
السؤال العاشر: اشرح قصة مصرع أبي جهل بالتفصيل من رواية عبد الله بن مسعود، مع بيان الحوار الذي دار بينهما وموقف النبي ﷺ من رأس أبي جهل.
السؤال الحادي عشر: اذكر رأي أبي بكر ورأي عمر في قضية الأسارى، ولماذا بكى النبي ﷺ وأبو بكر في اليوم التالي، وماذا نزل من القرآن في ذلك؟
السؤال الثاني عشر: استنتج من دراسة غزوة بدر خمسة دروس عسكرية وسياسية وإيمانية يمكن الاستفادة منها في فهم منهج النبي ﷺ في إدارة الصراع.
الكتاب: الرحيق المختوم
المؤلف: صفي الرحمن المباركفوري
الفصل: غزوة بدر الكبرى — 17 رمضان سنة 2هـ / 13 مارس 624م
— يتلوه في الفصل القادم: أحداث ما بعد بدر —
صندوق التعليقات
إرسال تعليق