بحث
مساعد الحج الذكي
مرحباً بك! أسألني عن مناسك الحج، السيرة النبوية، أو أي استفسار ديني.
كيف أحرم للحج؟
أعمال يوم عرفة
دعاء الطواف
قصة الهجرة
تذكير تلقائي
صلى الله عليه وسلم
فضل الصلاة على النبي

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ"

النشاط العسكري بين بدر وأحد

📖 أدوات القارئ الذكية
✍️ النص:
👁️ الرؤية:
⚡ تفاعل:

إن معركة بدر كانت أول لقاء مسلح بين المسلمين والمشركين وكانت معركة فاصلة أكسبت المسلمين نصرًا حاسمًا شهد له العرب قاطبة. والذين كانوا أشد استياء لنتائجها هم المشركون الذين منوا بخسائر فادحة، واليهود الذين رأوا عزة المسلمين غلبًا على كيانهم الديني والاقتصادي. فمنذ انتصر المسلمون في بدر كان هذان الفريقان يحترقان غيظًا: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82]. وكانت في المدينة بطانة لأربع فرق متعددة تحيك بالشر: المنافقون بزعامة عبد الله بن أبي، واليهود بمكائدهم، والبدو الضاربون حول المدينة الذين خافوا أن تقوم دولة قوية تحول بينهم وبين السلب والنهب. فبينما كانت المدينة تتظاهر بالإسلام وتأخذ في طريق المؤامرات كانت مكة تهدد بالضرب القاصم وترسل بلسان حالها تقول: «ولا بد من يوم أغرّ مُحَجَّل يطول استماعي بعده للنوادب». وفعلاً قادت غزوة قاصمة عرفت بغزوة أحد.

أولًا: غزوة بني سُلَيم بالكُدْر — أول غزوة بعد بدر

أول ما نقلت استخبارات المدينة إلى النبي ﷺ بعد بدر أن بني سليم وبني غَطَفَان تحشد قواتها لغزو المدينة. فباغتهم النبي ﷺ في مائتي راكب في عقر دراهم وبلغ إلى منازلهم في موضع يقال له: الكُدْر. ففر بنو سليم وتركوا في الوادي خمسمائة بعير استولى عليها جيش المدينة، وقسمها رسول الله ﷺ بعد إخراج الخمس فأصاب كل رجل بعيرين، وأصاب غلامًا يقال له: «يسار» فأعتقه.

📅 التاريخ: شوال سنة 2هـ بعد الرجوع من بدر بسبعة أيام أو في المحرم للنصف منه. مستخلف المدينة: سِبَاع بن عُرْفُطَة (وقيل: ابن أم مكتوم). النتيجة: فرار العدو وغنائم ضخمة دون قتال.

ثانيًا: مؤامرة لاغتيال النبي ﷺ — عمير بن وهب يُسلم

كان من أثر هزيمة المشركين في بدر أن استشاطوا غضبًا وجعلت مكة تغلي كالمِرْجَل ضد النبي ﷺ حتى تآمر عمير بن وهب الجمحي — وكان من شياطين قريش ممن كان يؤذي النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة — مع صفوان بن أمية في الحِجْر على أن يقتل النبي ﷺ. قال عمير: «لولا دَيْن على ليس له عندي قضاء وعيال أخشي عليهم الضَّيْعَة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قِبَلَهُم عِلَّة ابني أسير في أيديهم». فاغتنمها صفوان وقال: «على دينك أنا أقضيه عنك وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا».

فلما رآه النبي ﷺ — وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه — قال: «أرسله يا عمر، ادن يا عمير». فدنا وقال عمير: «أنعِمُوا صباحًا» — وهي تحية أهل الجاهلية — فقال النبي ﷺ: «قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة». ثم سأله: «ما جاء بك يا عمير؟» قال: «جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه». قال: «فما بالسيف في عنقك؟» قال: «قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئًا؟». قال: «اصدقني ما الذي جئت له». قال: «ما جئت إلا لذلك». فقال النبي ﷺ:

«بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا، فتحمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك»

فقال عمير: «أشهد أنك رسول الله، قد كنا نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام». فقال رسول الله ﷺ: «فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيره». وأما صفوان فكان يقول: «أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر» وحلف ألا يكلمه أبدًا ولا ينفعه بنفع أبدًا. ورجع عمير إلى مكة فأسلم على يديه ناس كثير.

ثالثًا: غزوة بني قينقاع — نموذج من مكيدة اليهود

قدمنا بنود المعاهدة التي عقدها النبي ﷺ مع اليهود وكان حريصًا كل الحرص على تنفيذها. ولكن اليهود الذين ملأوا تاريخهم بالغدر والخيانة ونكث العهود لم يلبثوا أن تمشوا مع طبائعهم القديمة وأخذوا في طريق الدس والمؤامرة.

🔍 نموذج مكيدة شاس بن قيس اليهودي

قال ابن إسحاق: مر شاس بن قيس — شيخ يهودي عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين — على نفر من الأوس والخزرج في مجلس يتحدثون في صلاح ذات بينهم بعد العداوة الجاهلية، فقال: «قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار». فأمر فتى شابًا من يهود أن يجلس معهم ويردد عليهم يوم بُعَاث وما كان من قبله من الحروب الأهلية، حتى ثار رجلان وتقاولا وغضب الفريقان جميعًا ووعدوا باللقاء بالسلاح. فبلغ ذلك النبي ﷺ فخرج إليهم فقال: «يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوا الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم من الكفر وألف بين قلوبكم». فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فبكوا وعانق بعضهم بعضًا وانصرفوا مع النبي ﷺ سامعين مطيعين وقد أطفأ الله كيد شاس بن قيس.

⚠️ أساليب اليهود الخبيثة قبل بدر وبعدها

  • بث الدعايات الكاذبة: يؤمنون وجه النهار ثم يكفرون آخره ليزرعوا بذور الشك في قلوب الضعفاء.
  • الإضرار بالمعيشة: إن كان لهم على المسلمين يتقاضونه صباح مساء وإن كان لهم عليه يتقاضونه بالباطل ويمتنعون عن أدائه.
  • الاستفزاز والتحرش: كانوا يتعرضون بالسخرية ويتواجهون بالأذي كل من ورد سوقهم من المسلمين حتى أخذوا يتعرضون بنسائهم.
  • القول الكاذب: «إنما كان علينا قرضك حينما كنت على دين آبائك فأما إذ صبوت فليس لك علينا من سبيل».

رابعًا: بنو قينقاع ينقضون العهد — الحصار ثم التسليم ثم الجلاء

لكنهم لما رأوا أن الله نصر المؤمنين في بدر وصارت للمسلمين عزة وشوكة تميزت قدر غيظهم وكاشفوا بالشر والعداوة. وكان أعظمهم حقدًاً كعب بن الأشرف (سيأتي ذكره). وكانت شرطتهم سبعمائة مقاتل من اليهود — صاغة وحدادين وصناع الظروف والأواني — وكانوا أشجع يهود المدينة وأول من نكث العهد.

روى أبو داود عن ابن عباس أن النبي ﷺ جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال: «يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا». فقالوا: «يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا». فأنزل الله: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهُمْ رَأْيُ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مِنْ يَشَاء} [آل عمران: 12-13]. كان هذا إعلانًا سافرًا بالحرب لكن كظم النبي ﷺ غيظه وصبر المسلمون.

ثم ازدادوا جراءة فأثاروا في المدينة قلقًا واضطرابًاً وسعوا إلى حتفهم. حتى رفع رجل من المسلمين سيفه على صائغ يهودي كان يعقدهم فقتله، فاستصرخ أهل المسلم على اليهود فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.

🏰 الحصار ثم التسليم ثم الجلاء

استخلف النبي ﷺ على المدينة أبا لُبابة بن عبد المنذر وأعطى اللواء حمزة بن عبد المطلب. وسار إلى بني قينقاع فلما رأوا تحصنوا في حصونهم حاصرهم خمس عشرة ليلة من يوم السبت للنصف من شوال سنة 2هـ إلى هلال ذي القعدة. وقذف الله في قلوبهم الرعب فنزلوا على حكم النبي ﷺ في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم فكُتِّفوا.

دور عبد الله بن أبي بن سلول المنافق: ألحّ على النبي ﷺ أن يصدر عنهم العفو فقال: «يا محمد أحسن في موالي — وكانوا حلفاء الخزرج — أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة؟ إني والله امرؤ أخشي الدوائر». فكر النبي ﷀ مقالته وأعرض عنه ثم قال: «ويحك أرسلني» وغضب حتى رأوا لوجهه ظُللاً. لكن المنافق مضى وقال: «لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي». فعامله النبي ﷺ بالحسنى وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها فخرجوا إلى أذْرُعَات الشام فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم.

الغنائم: ثلاث قِسِي ودرعون وثلاثة أسياف وثلاثة رماح وخمس غنائم. تولى جمعها محمد بن مسلمة.

خامسًا: غزوة السَّوِيق — قرصنة أبي سفيان

بينما كان اليهود والمنافقون يقومون بمؤامراتهم كان أبو سفيان يفكر في عمل قليل المغارم يتعجل به ليحفظ مكانة قومه ويبرز قوتهم. وكان قد نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدًا. فخرج في مائتي راكب حتى نزل بصدْر قَنَاة إلى جبل يقال له ثَيْبٌ من المدينة على بَرِيد أو نحوه. ولكنه لم يجُرِؤ على مهاجمة المدينة جهارًا فقام بعمل أشبه بأعمال القرصنة: دخل ضواحي المدينة ليلًا مستخفيًا فأتى حييّ بن أخطب فاستفتح بابه فأبي وخاف فانصرف إلى سَلاَّم بن مِشْكَم سيد بني النضير وصاحب كنزهم فاستأذن فأذن فقراه وسقاه الخمر وبَطَن له من خبر الناس ثم خرج أبو سفيان في عقب ليلته وبعث مفرزة من أصحابه فأغارت على ناحية من المدينة يقال لها العُرَيض فقطعوا وأحرقوا أصْوَارًا من النخل وقتلوا رجلين من الأنصار وحليفًا له في حرث لهما.

بلغ النبي ﷺ الخبر فسارع لمطاردة أبي سفيان لكنهم فروا ببالغ السرعة وطرحوا سواقًا كثيرًا من أزوادهم وتمويناتهم حتى تمكنوا من الإفلات. وبلغ النبي ﷒ إلى قَرْقَرَةِ الكُدْر ثم انصرف. وحمل المسلمون ما طرحه الكفار من سويقهم وسموا هذه المناوشة غزوة السويق. وقعت في ذي الحجة سنة 2هـ واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر.

سادسًا: غزوة ذي أمر — أكبر حملة عسكرية قبل أحد

وهي أكبر حملة عسكرية قادها النبي ﷺ قبل أحد في المحرم سنة 3هـ. سببها أن استخبارات المدينة نقلت أن جمعًا كبيرًا من بني ثعلبة ومحارب يريدون الإغارة على أطراف المدينة. فندب المسلمين وخرج في أربعمائة وخمسين مقاتلًا ما بين راكب وراجل واستخلف على المدينة عثمان بن عفان. وفي أثناء الطريق قبضوا على رجل من بني ثعلبة يقال له جُبَار فأسلم فضمه إلى بلال وصار دليلًا لجيش المسلمين إلى أرض العدو. وتفرق الأعداء في رءوس الجبال حين سمعوا بقدوم الجيش الإسلامي فأقام النبي ﷺ في مكان تجمعهم وهو الماء المسمى بذي أمر فأقام هناك صفرًا كله ليشعر الأعراب بقوة المسلمين ويستولي عليهم الرعب والرهبة ثم رجع إلى المدينة.

سابعًا: قتل كعب بن الأشرف — إزاحة أخطر طاغوت يهودي

كان كعب بن الأشرف من أشد اليهود حقدًا على الإسلام وإيذاء للنبي ﷉ وتظاهرًا بالدعوة إلى حربه. كان من قبيلة طيئ من بني نَبْهان وأمه من بني النضير غنيًا مترفًا معروفًا بجماله في العرب شاعرًا من شعرائها. وحصنه في شرق جنوب المدينة خلف ديار بني النضير.

📊 تحريضه على النبي ﷺ: لما بلغه خبر بدر قال: «أحق هذا؟ هؤلاء أشراف العرب وملوك الناس؟ والله إن كان محمد أصاب هؤلاء لبطن الأرض خير من ظهرها». ثم ركب إلى قريش فجعل ينشد الأشعار يبكي على أصحاب القليب ويثير حفائظهم ويحرضهم على النبي  ويحرضهم على حربه. وعندما سأله أبو سفيان: «أدينا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدي سبيلا؟» فقال: «أنتم أهدي منهم سبيلاً وأفضل» وفي ذلك نزل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} [النساء: 51]. ثم رجع يهجو النبي ﷺ والمسلمين بأشعار مؤذية واستفزازة.

وحينئذ قال النبي ﷺ: «من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله». فانتدب له محمد بن مسلمة وعَبَّاد بن بشر وأبو نائلة (سِلْكَان بن سلامة أخو كعب من الرضاعة) والحارث بن أوس وأبو عَبْس بن جبر وكان قائد المفرزة محمد بن مسلمة.

🗡ة خطة الحوار والاغتيال

أتاه محمد بن مسلمة فقال: «إن هذا الرجل قد سألنا صدقة وإنه قد عَنَّانا». فواعده أن يأتيه. وقال: «إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى نرى إلى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن نسلف له وَسْقًا أو وَسْقَيْن». قال كعب: «فأرهنوني». قال: «أي شيء تريد؟» قال: «أرهنوني نساءكم». قال: «كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟!» قال: «فترهنوني أبناءكم». قال: «كيف نرهنهم فيُسَبُّ أحدهم فيقال: رُهْن بوسق أو وسقين هذا عار علينا». ولكنه كان يريد السلاح. فواعده أن يأتيه بأصحابه وأراه السلاح فأخذوا يتحادثون معه ساعة ثم خرجوا يتماشون نحو شِعْب العجوز ومعهم سلاحهم.

وقد نجح ابن مسلمة وأبو نائلة في إيهام كعب واستدراجه إلى الخروج من حصنه. وفي ليلة مُقْمِرَة (الرابع عشر من ربيع الأول سنة 3هـ) اجتمعت المفرزة عند النبي ﷀ فشيعهم قائلًا: «انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم» ثم رجع إلى بيته يصلي ويناجي ربه.

وفي الطريق شم أبو نائلة رأس كعب وقال: «ويحك يا بن الأشرف إني قد جئت لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني». ثم قال: «إن معي أصحاباً لي على مثل رأيي وأردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك». وقد نجح في إيهام كعب حتى قال له: «إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة إن الكريم لو دعي إلى طعنة أجاب». ثم خرج وهو متطيب ينفح رأسه فشمه أبو نائلة وأشم أصحابه. ثم مشوا ساعة ثم قال: «أعود؟» قال: «نعم» فعاد لمثلها حتى اطمأن. ثم مشى ساعة وقال: «أعد؟» قال: «نعم» فأدخل يده في رأسه فلما استمكن قال: «دونكم عدو الله» فاختلفت عليه أسيافهم لكنها لم تغن شيئًا فأخذ محمد بن مسلمة مِغْوَلاً فوضعه في ثُنَّتِه وضرب به حتى وقع عدو الله قتيلاً وكان قد صاح صيحة شديدة أفزعت من حوله.

النتيجة: رجعت المفرزة وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح من سيوف أصحابه فجرح. ولما بلغوا بَقِيع الغَرْقَد كبروا وسمع النبي ﷺ تكبيرهم فقال: «أفلحت الوجوه» ورموا برأس كعب بين يديه فحمد الله على قتله وتفل على جرح الحارث فبرأ. وعلمت اليهود بمصرع طاغيتهم فدخلوا في جحورهم تختبئ منها.

ثامنًا: غزوة بُحْران وسرية زيد بن حارثة

🏢 غزوة بُحْران — دورية استعراضية

خرج النبي ﷺ في ثلاثمائة مقاتل في شهر ربيع الآخر سنة 3هـ إلى أرض بُحْران بالحجاز من ناحية الفُرْع فأقام بها شهر ربيع الآخر ثم جمادى الأولى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربًا. وكان الهدف إظهار القوة الإسلامية في المنطقة لإرهاب الأعداء.

⚔️ سرية زيد بن حارثة — أغنى غنيمة قبل أحد

قريش بقيت بعد بدر يساورها القلق وجاء الصيف واقترب موسم رحلتهم إلى الشام. قال صفوان بن أمية: «إن محمدًا وأصحبه عَوَّرُوا علينا متجرنا فما ندري كيف نصنع بأصحابه وهم لا يبرحون الساحل وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه فما ندري أين نسلك».

دار الحوار حول الموضوع فأشار الأسود بن عبد المطلب على صفوان أن ينكب طريق فُرَات بن حَيَّان من بني بكر بن وائل — وهي طريق طويلة تخترق نجدًا إلى الشام وتمر شرقي المدينة على بعد كبير منها — وكانت قريش تجهل هذه الطريق كل الجهل. فخرجت عير قريش يقودها صفوان آخذًا الطريق الجديدة إلا أن أنباء هذه القافلة وطارت إلى المدينة.

ذلك أن سَلِيط بن النعمان — كان قد أسلم — اجتمع في مجلس شرب مع نعيم بن مسعود الأشجعي — ولم يكن أسلم بعد — فأخذ سليط يروي بالتفصيل عن القافلة وخطة سيرها. فأسرع إلى النبي ﷺ يروي له القصة. وجهز النبي ﷀ مائة راكب بقيادة زيد بن حارثة الكلبي وأسرع زيد حتى دهم القافلة بغتة على ماء يقال له قَرْدَة بالفتح فاستولى عليها كلها. وأسر دليل القافلة فرات بن حيان وأسلم على يدي النبي ﷺ.

قيمة الغنيمة: قدرت بمائة ألف. وقسمها النبي ﷺ على أفراد السرية بعد أخذ الخمس. وكانت مأساة شديدة ونكبة كبيرة أصابت قريشًا اشتد لها قلق وهَمّ وحزنًا. ولم يبق أمامهم إلا طريقان: إما الموادعة أو الحرب الشاملة، فاختاروا الثانية وصمموا على غزوة أحد.

❓ أسئلة مقترحة للاختبار والمراجعة

السؤال الأول: اذكر الفرق الأربعة التي انتاب غيظها على المسلمين بعد بدر مع بيان دافع كل فريق وموقف النبي ﷺ من هذه الفرقة المنافقة (عبد الله بن أبي وأصحابه).

السؤال الثاني: اشرح بالتفصيل قصة مؤامرة عمير بن وهب لقتل النبي ﷺ، وكيف تعامل النبي ﷺ معه بعد أن اعترف بنيته، وما الدروس المستفاد من هذه القصة؟

السؤال الثالث: اشرح مكيدة شاس بن قيس اليهودي لإثارة الفتنة بين الأوس والخزرج، وكيف تعامل النبي ﷺ مع هذا التحريش وهل حاسبه على المنافقين أم لا؟

السؤال الرابع: اذكر الرد الوقح الذي أجاب به بنو قينقاع على دعوة النبي ﷀ لهم بالإسلام، وماذا نزل من القرآن في ذلك، وماذا يدل على طباععه واستهزاءهم بأنفسهم أهل الكتاب؟

السؤال الخامس: اشرح تفاصيل حصار بني قينقاع: مدته ونتيجته وموقف عبد الله بن أبي بن سلول المنافق وكيف عامله النبي ﷺ معه ولم يعاقبه رغم إيذائه الشديد.

السؤال السادس: اشرح قرصنة أبي سفيان على المدينة (غزوة السويق): ما الذي أراده تحديدًا وما الذي فعل فعلاً، وكيف تعامل المسلمون مع أثره؟

السؤال السابع: ما الغاية الاستراتيجية من غزوة ذي أمع أن النبي ﷺ لم يلقَ قتالًا ومع ذلك أقام صفرًا كاملًا هناك؟

السؤال الثامن: اشرح بالتفصيل خطة اغتيال وقتل كعب بن الأشرف: دور كل من محمد بن مسلمة وأبي نائلة، والحوار الذي دار بينهم، وكيف دل الحوار على أن كعبًا لن يمانع خروجًا مع أصحاب السلاح؟

السؤال العاشر: ما أثر مقتل كعب بن الأشرف على وضع اليهود في المدينة، وماذا يعكسه عن الفرق بين موقف المسلمين الحاسم وموقف اليهود الخانع؟

السؤال الحادي عشر: اشرح بالتفصيل سرية زيد بن حارثة إلى قَرْدَة: كيف وصلت المعلومات الاستخبارية إلى النبي ﷺ، وكيف تمكن زيد من الاستيلاء على القافلة دون مواجهة، وماذا يعكسه عن أثر هذه الغنيمة الكبيرة على نفوس المشركين ودفعهم إلى التمهيد لغزوة أحد؟

الكتاب: الرحيق المختوم

المؤلف: صفي الرحمن المباركفوري

الفصل: النشاط العسكري بين بدر وأحد — وما تمخض عنه من تمهيد لغزوة أحد

— يتلوه في الفصل القادم: غزوة أحد الكبرى —

صندوق التعليقات