أولًا: المولـــد النبوي الشريف
وُلد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بشعب بني هاشم بمكة في صبيحة يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل، ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان، ويوافق ذلك عشرين أو اثنين وعشرين من شهر أبريل سنة 571 م حسبما حققه العالم الكبير محمد سليمان المنصورفوري رحمه الله.
روى ابن سعد أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: «لما ولدته خرج من فرجي نور أضاءت له قصور الشام». وروى أحمد والدارمي وغيرهما قريبًا من ذلك.
إرهاصات البعثة عند الميلاد: وقد روى أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت، روى ذلك الطبري والبيهقي وغيرهما. وليس له إسناد ثابت، ولم يشهد له تاريخ تلك الأمم مع قوة دواعي التسجيل عندهم.
ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشرًا ودخل به الكعبة ودعا الله وشكر له. واختار له اسم محمد ـ وهذا الاسم لم يكن معروفًا في العرب ـ وخَتَنَه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون.
أول من أرضعته: وأول من أرضعته من المراضع ـ وذلك بعد أمه صلى الله عليه وسلم بأسبوع ـ ثُوَيْبَة مولاة أبي لهب بلبن ابن لها يقال له: مَسْرُوح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
ثانيًا: الرضاعة في بني سعد
وكانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم ابتعادًا لهم عن أمراض الحواضر، وتقوية لأجسامهم، وتشتية لأعصابهم، وإتقانًا لهم للسان العربي في مهدهم. فالتمس عبد المطلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم المراضع، واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث، وزوجها الحارث بن عبد العزى المكنى بأبي كبشة من نفس القبيلة.
إخوته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة في بني سعد:
- عبد الله بن الحارث
- أنيسة بنت الحارث
- حذافة أو جذامة بنت الحارث (وهي الشيماء؛ لقب غلب على اسمها) وكانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم
- أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكان عمه حمزة بن عبد المطلب مسترضعًا في بني سعد بن بكر، فأرضعت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا وهو عند أمه حليمة، فكان حمزة رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتين: من جهة ثويبة ومن جهة السعدية.
قصة حليمة مع بركته صلى الله عليه وسلم
ورأت حليمة من بركته صلى الله عليه وسلم ما قضت منه العجب، ولنتركها تروي ذلك مفصلًا:
قال ابن إسحاق: كانت حليمة تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء. قالت: وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئًا. قالت: فخرجت على أتان لي قمراء، ومعنا شارف لنا، والله ما تَبِضُّ بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج.
فخرجت على أتاني تلك، فلقد أذَمَّتْ بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفًا وعجفًا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك.
فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله، إنني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.
قالت: فذهبت إليه وأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك. وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا هي حافل، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة.
قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة. قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك.
قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتاني وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك! أرْبِعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنًا.
قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شباعًا لُبَّنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا لبنًا.
فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلناه، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا. قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت ابني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا.
ثالثًا: حادثة شق الصدر
وهكذا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني سعد، حتى إذا كان بعده بأشهر على قول ابن إسحاق، وفي السنة الرابعة من مولده على قول المحققين، وقع حادث شق الصدر.
روى مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: «هذا حظ الشيطان منك»، ثم غسله في طَسْت من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه ـ أي جمعه وضم بعضه إلى بعض ـ ثم أعاده في مكانه.
وجاء الغلمان يسعون إلى أمه ـ يعني ظئره ـ فقالوا: «إن محمدًا قد قتل»، فاستقبلوه وهو مُنْتَقِعُ اللون ـ أي متغير اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.
رابعًا: إلى أمه الحنون
وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين.
ورأت آمنة ـ وفاءً لذكرى زوجها الراحل ـ أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ نحو خمسمائة كيلومتر ومعها ولدها اليتيم محمد صلى الله عليه وسلم، وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب، فمكثت شهرًا ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق ثم اشتد حتى ماتت بالأبْوَاء بين مكة والمدينة.
خامسًا: إلى جده العطوف عبد المطلب
وعاد به عبد المطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم الذي أصيب بمصاب جديد نَكَأ الجروح القديمة، فَرَقَّ عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة بل يؤثره على أولاده.
قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: «دعوا ابني هذا، فوالله إن له لشأنًا»، ثم يجلس معه على فراشه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع.
ولثماني سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى الله عليه وسلم توفي جده عبد المطلب بمكة، ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه.
سادسًا: إلى عمه الشفيق أبي طالب
ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده وقدمه عليهم واختصه بفضل احترام وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه، ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله، وستأتي نبذ من ذلك في مواضعها.
يُستسقى الغمام بوجهه
أخرج ابن عساكر عن جَلْهُمَة بن عُرْفُطَة قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادي وأجدب العيال، فهَلُمَّ فاستسق. فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دُجُنَّة، تجلت عنه سحابة قَتْمَاء، حوله أُغَيْلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بأضبعه الغلام، وما في السماء قَزَعَة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغْدَوْدَق، وانفجر الوادي وأخصب النادي والبادي.
سابعًا: لقاء بحيرى الراهب
ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة ـ قيل: وشهرين وعشرة أيام ـ ارتحل به أبو طالب تاجرًا إلى الشام، حتى وصل إلى بُصْرَى ـ وهي معدودة من الشام وقَصَبَة لحُورَان، وكانت في ذلك الوقت قصبة للبلاد العربية التي كانت تحت حكم الرومان.
وكان في هذا البلد راهب عُرف بـبحيرى، واسمه ـ فيما يقال ـ جرجيس. فلما نزل الركب خرج إليهم، وكان لا يخرج إليهم قبل ذلك، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
«هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين»
فقال له أبو طالب وأشياخ قريش: ما علمك بذلك؟ فقال: «إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا».
ثم أكرمهم بالضيافة، وسأل أبا طالب أن يرده ولا يقدم به إلى الشام؛ خوفًا عليه من الروم واليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة.
ثامنًا: حرب الفِجَار
وفي السنة العشرين من عمره صلى الله عليه وسلم وقعت في سوق عُكاظ حرب بين قريش ـ ومعهم كنانة ـ وبين قَيْس عَيْلان، تعرف بحرب الفِجَار.
سبب الحرب: أن أحد بني كنانة واسمه البَرَّاض اغتال ثلاثة رجال من قيس عيلان، ووصل الخبر إلى عكاظ فثار الطرفان. وكان قائد قريش وكنانة كلها حرب بن أمية؛ لمكانته فيهم سنا وشرفًا.
وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان في وسط النهار كادت الدائرة تدور على قيس. ثم تداعى بعض قريش إلى الصلح على أن يحصوا قتلى الفريقين، فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد، فاصطلحوا على ذلك ووضعوا الحرب وهدموا ما كان بينهم من العداوة والشر.
سبب التسمية: سميت بحرب الفجار؛ لانتهاك حرمة الشهر الحرام فيها. وقد حضر هذه الحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يَنْبِلُ على عمومته؛ أي يجهز لهم النبل للرمي، وهو ما يدل على أنه كان شابًا فتيًا يشارك في أعمال الرجال رغم صغر سنه.
تاسعًا: حلف الفضول
وعلى أثر هذه الحرب وقع حلف الفضول في ذي القعدة في شهر حرام، تداعت إليه قبائل من قريش: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان التيمي؛ لسنِّه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته.
سبب هذا الحلف: إن رجلًا من زُبَيْد قدم مكة ببضاعة، واشتراها منه العاص بن وائل السهمي وحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار ومخزومًا وجُمَحًا وسَهْمًا وعَدِيًّا فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي قُبَيْس ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعًا صوته، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال: «ما لهذا مترك؟» حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول، فعقدوا الحلف ثم قاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي.
وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية تثيرها، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليه بعد الإسلام وأقر مبدأه، مما يدل على أنه كان حلفًا قائمًا على أساس الحق والعدالة لا على أساس العصبية القبلية العمياء.
عاشرًا: حياة الكدح والعمل
ولم يكن له صلى الله عليه وسلم عمل معين في أول شبابه، إلا أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنمًا، رعاها في بني سعد، وفي مكة لأهلها على قراريط. ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجارة حين شب، فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له، لا يدارى ولا يمارى، وجاءه يوم الفتح فرحب به وقال: «مرحبًا بأخي وشريكي».
تجارته إلى الشام في مال خديجة
وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرًا إلى الشام في مال خديجة رضي الله عنها. قال ابن إسحاق: كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وخرج في مالها ذلك وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام.
حادي عشر: زواجه بخديجة رضي الله عنها
ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى فيه صلى الله عليه وسلم من خلال عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق، ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودة ـ وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبي عليهم ذلك ـ فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه صلى الله عليه وسلم تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضي بذلك وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه.
تفاصيل الزواج:
تم الزواج وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين بَكْرة. وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبًا وثروة وعقلًا، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة: وكل أولاده صلى الله عليه وسلم منها سوى إبراهيم، ولدت له:
- القاسم ـ وبه كان يكنى ـ (مات صغيرًا)
- زينب (أدركت الإسلام فأسلمت وهاجرت، وتوفيت في حياته صلى الله عليه وسلم)
- رقية (أدركت الإسلام فأسلمت وهاجرت، وتوفيت في حياته صلى الله عليه وسلم)
- أم كلثوم (أدركت الإسلام فأسلمت وهاجرت، وتوفيت في حياته صلى الله عليه وسلم)
- فاطمة رضي الله عنها (تأخرت بعد أبيها ستة أشهر ثم لحقت به)
- عبد الله ويُلقب بالطيب والطاهر (مات صغيرًا)
ومات بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن، إلا أنهن أدركتهن الوفاة في حياته صلى الله عليه وسلم سوى فاطمة رضي الله عنها فقد تأخرت بعده ستة أشهر ثم لحقت به.
ثاني عشر: بناء الكعبة وقضية التحكيم
ولخمس وثلاثين سنة من مولده صلى الله عليه وسلم قامت قريش ببناء الكعبة؛ وذلك لأن الكعبة كانت رَضْمًا فوق القامة ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلام، ولم يكن لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرضت ـ باعتبارها أثرًا قديمًا ـ للعوادي التي أدهت بنيانها وصدعت جدرانها.
سبب إعادة البناء: قبل بعثته صلى الله عليه وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرم انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصًا على مكانتها.
واتفقوا على أن لا يدخلوا في بنائها إلا طيبًا، فلا يدخلون فيها مهر بغى ولا بيع ربًا ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومي فأخذ المعول وقال: «اللهم لا نريد إلا الخير»، ثم هدم ناحية الركنين، ولما لم يصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني، ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم.
ثم أرادوا الأخذ في البناء فجزأوا الكعبة وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها، فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة وأخذوا يبنونها، وتولى البناء بناء رومي اسمه: باقوم.
قضية وضع الحجر الأسود والتحكيم
ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خمسًا، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم. إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه، وشاء الله أن يكون ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما رأوه هتفوا: «هذا الأمين، رضيناه، هذا محمد». فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر طلب رداء فوضع الحجر وسطه، وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعًا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف رضي به القوم.
تفاصيل البناء بعد الانتهاء:
وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوًا من ستة أذرع، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم، ورفعوا بابها من الأرض لئلا يدخلها إلا من أرادوا، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذراعًا سقفوه على ستة أعمدة.
وصارت الكعبة بعد انتهائها ذات شكل مربع تقريبًا، يبلغ ارتفاعه 15 مترًا، وطول ضلعه الذي فيه الحجر الأسود والمقابل له 10 أمتار، والحجر موضوع على ارتفاع 1.50 متر من أرضية المطاف، والضلع الذي فيه الباب والمقابل له 12 مترًا، وبابها على ارتفاع مترين من الأرض، ويحيط بها من الخارج قصبة من البناء أسفلها متوسط ارتفاعها 0.25 مترًا ومتوسط عرضها 0.30 مترًا وتسمى بالشاذروان، وهي من أصل البيت لكن قريشًا تركتها.
السيرة الإجمالية قبل النبوة
كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات، وكان طرازًا رفيعًا من الفكر الصائب والنظر السديد، ونال حظًا وافرًا من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف، وكان يستعين بصمته الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناه الحق.
وطالع بعقله الخصب وفطرته الصافية صحائف الحياة وشئون الناس وأحوال الجماعات، فعاف ما سواها من خرافة ونأي عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجد حسنًا شارك فيه وإلا عاد إلى عزلته العتيدة.
نفوره من الشرك في الجاهلية:
فكان لا يشرب الخمر، ولا يأكل مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالًا، بل كان من أول نشأته نافرًا من هذه المعبودات الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى.
حفظ الله له من التلوث بمعاصي الجاهلية
ولا شك أن القدر حاطه بالحفظ، فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا، وعندما يرضى باتباع بعض التقاليد غير المحمودة تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه وبينها.
أخلاقه وشمائله قبل النبوة
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز في قومه بخلال عذبة وأخلاق فاضلة وشمائل كريمة، فكان:
صفاته وأخلاقه صلى الله عليه وسلم قبل البعثة:
- أفضل قومه مروءة
- أحسنهم خلقًا
- أعزهم جوارًا
- أعظمهم حلمًا
- أصدقهم حديثًا
- ألينهم عَرِيكة
- أعفهم نفسًا
- أكرمهم خيرًا
- أبرهم عملًا
- أوفاهم عهدًا
- آمنهم أمانة
حتى سماه قومه «الأمين» لما جمع فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية، وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها:
أسئلة للمراجعة والتفكير
- متى وُلد النبي صلى الله عليه وسلم تحديدًا من حيث اليوم والشهر والسنة الميلادية؟ ومن الذي اختار له اسم محمد، وماذا كان اسمه عند المراضع قبل أن يأتيه عبد المطلب؟
- لماذا أعرضت مراضع بني سعد عن الرضاع من النبي صلى الله عليه وسلم أولًا؟ وما الذي جعل حليمة ترجع وتأخذه رغم ذلك؟
- اذكر ثلاثًا من بركات النبي صلى الله عليه وسلم التي رأتها حليمة في بني سعد سواء في لبنها أو ماشيتها أو دابتها.
- ما هي حادثة شق الصدر؟ ومتى وقعت على الراجح؟ وماذا فعل جبريل بالقلب بعد استخراج العلقة منه؟
- تتبع كفالة النبي صلى الله عليه وسلم منذ وفاة أمه، مبينًا اسم الكافل ومدة بقائه عنده حتى انتقل إلى الكافل التالي.
- من هو بحيرى الراهب؟ وما الذي جعله يتعرف على النبي صلى الله عليه وسلم ويتيقن أنه النبي المنتظر؟ وماذا أشار به على أبي طالب؟
- ما سبب تسمية حرب الفجار بهذا الاسم؟ وكيف انتهت؟ وما دور النبي صلى الله عليه وسلم فيها رغم صغر سنه؟
- ما هو حلف الفضول؟ وما القصة التي كانت سببًا في عقده؟ وما موقف النبي صلى الله عليه وسلم منه بعد الإسلام؟
- في أي سنة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة؟ كم كان عمرها وعمره؟ اذكر أسماء أولاده جميعًا منها مع بيان من مات منهم صغيرًا ومن أدرك الإسلام.
- ما السبب المباشر الذي دفع قريشًا لإعادة بناء الكعبة؟ وكيف حل النبي صلى الله عليه وسلم مشكلة الخلاف على وضع الحجر الأسود؟
الفصل الثاني: المولد وأربعون عامًا قبل النبوة
صندوق التعليقات
إرسال تعليق