السرايا والبعوث بين أحد والأحزاب
كان لمأساة أحد أثر سيئ على سمعة المؤمنين، فقد ذهبت ريحهم، وزالت هيبتهم عن النفوس، وزادت المتاعب الداخلية والخارجية على المؤمنين وأحاطت الأخطار بالمدينة من كل جانب، وكاشف اليهود والمنافقون والأعراب بالعداء السافر، وهمت كل طائفة منهم أن تنال من المؤمنين، بل طمعت في أن تقضي عليهم وتستأصل شأفتهم. فلم يمض على هذه المعركة شهران حتى تهيأت بنو أسد للإغارة على المدينة، ثم قامت قبائل عَضَل وقَارَة بمكيدة تسببت في قتل عشرة من الصحابة، وفي نفس الشهر قام عامر بن الطُّفَيل بتحريض بعض القبائل حتى قتلوا سبعين من الصحابة. فريح المسلمين التي كانت قد ذهبت تركتهم يهددون بالأخطار، ولكن تلك هي حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي صرفت وجوه التيارات، وأعادت للمسلمين هيبتهم المفقودة.
أولاً: سرية أبي سلمة
أول من قام ضد المسلمين بعد نكسة أحد هم بنو أسد بن خزيمة، فقد نقلت استخبارات المدينة أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعون بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعث سرية قوامها مائة وخمسون مقاتلاً من المهاجرين والأنصار، وأمر عليهم أبا سلمة، وعقد له لواء. وباغت أبو سلمة بني أسد بن خزيمة في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم، فتشتتوا في الأمر، وأصاب المسلمون إبلاً وشاءً لهم فاستاقوها، وعادوا إلى المدينة سالمين غانمين لم يلقوا حربًا.
كان مبعث هذه السرية حين استهل هلال المحرم سنة 4 هـ. وعاد أبو سلمة وقد نفر عليه جرح كان قد أصابه في أحد، فلم يلبث حتى مات رضي الله عنه.
ثانيًا: بعث عبد الله بن أُنَيس
وفي اليوم الخامس من نفس الشهر — المحرم سنة 4 هـ — نقلت الاستخبارات أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد الجموع لحرب المسلمين، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس ليقضي عليه.
وظل عبد الله بن أنيس غائبًا عن المدينة ثماني عشرة ليلة، ثم قدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم، وقد قتل خالدًا وجاء برأسه، فوضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه عصا وقال: (هذه آية بيني وبينك يوم القيامة)، فلما حضرته الوفاة أوصى أن تجعل معه في أكفانه.
ثالثًا: بعث الرَّجِيع
وفي شهر صفر من نفس السنة — أي الرابعة من الهجرة — قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عَضَل وقَارَة، وذكروا أن فيهم إسلامًا، وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ويقرئهم القرآن، فبعث معهم ستة نفر — في قول ابن إسحاق، وفي رواية البخاري أنهم كانوا عشرة — وأمر عليهم مَرْثَد بن أبي مَرْثَد الغَنَوِي — في قول ابن إسحاق، وعند البخاري أنه عاصم بن ثابت جد عاصم بن عمر بن الخطاب.
فذهبوا معهم، فلما كانوا بالرجيع — وهو ماء لهُذَيل بناحية الحجاز بين رَابِغ وجُدَّة — استصرخوا عليهم حيًّا من هذيل يقال لهم: بنو لَحْيَان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، واقتصوا آثارهم حتى لحقوهم، فأحاطوا بهم — وكانوا قد لجأوا إلى فَدْفَد — وقالوا لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلاً.
فأما عاصم بن ثابت فأبى من النزول وقاتلهم في أصحابه، فقتل منهم سبعة بالنبل، وبقي خُبَيب وزيد بن الدَّثِنَّة ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخرى، فنزلوا إليهم ولكنهم غدروا بهم وربطوهم بأوتار قِسِيِّهم. فقال الرجل الثالث: "هذا أول الغدر"، وأبى أن يصحبهم، فجرّوه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه.
موقف خُبَيب بن عدي عند القتل
وانطلقوا بخبيب وزيد فباعوهما بمكة، وكانا قد قتلا من رءوسهم يوم بدر. فأما خبيب فمكث عندهم مسجونًا، ثم أجمعوا على قتله، فخرجوا به من الحرم إلى التنعيم، فلما أجمعوا على صلبه قال: "دعوني حتى أركع ركعتين"، فتركوه فصلاهما، فلما سلم قال: "والله لولا أن تقولوا: إن ما بي جزع لزدت"، ثم قال: "اللهم أحْصِهِمْ عَدَدًا، واقتلهم بَدَدًا، ولا تُبْقِ منهم أحدًا".
فقال له أبو سفيان: "أيسرك أن محمدًا عندنا نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟" فقال خبيب: "لا والله، ما يسرني أني في أهلي وأن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه". ثم صلبوه ووكلوا به من يحرس جثته، فجاء عمرو بن أمية الضمري فاحتمله بخدعة ليلاً ودفنه. وفي الصحيح أن خبيبًا أول من سن الركعتين عند القتل، وأنه رُئي وهو أسير يأكل قِطْفًا من العنب وما بمكة ثمرة.
وأما زيد بن الدَّثِنَّة فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه. وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه — وكان عاصم قد قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر — فبعث الله عليه مثل الظُّلَّة من الدَّبْر — الزنابير — فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء. وكان عاصم قد أعطى الله عهدًا ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا. وكان عمر لما بلغه خبره يقول: "يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته".
رابعًا: مأساة بئر مَعُونة
وفي الشهر نفسه الذي وقعت فيه مأساة الرَّجِيع وقعت مأساة أخرى أشد وأفظع من الأولى، وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة.
وملخصها: أن أبا براء عامر بن مالك المدعو بمُلاَعِب الأسِنَّة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، فقال: "يا رسول الله، لو بعثت أصحابك إلى أهل نَجْد يدعونهم إلى دينك لرجوت أن يجيبوهم"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أخاف عليهم أهل نجد). فقال أبو براء: "أنا جَارٌ لهم".
فبعث معه سبعون رجلاً — والذي في الصحيح هو الصحيح — وأمر عليهم المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة الملقب بالمُعْنِقَ لِيمُوت، وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم، فساروا يحتطبون بالنهار يشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن ويصلون بالليل، حتى نزلوا بئر معونة — وهي أرض بين بني عامر وحَرَّة بني سُلَيْم.
ثم بعثوا حرام بن مِلْحَان أخا أم سليم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطُّفَيْل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلاً فطعنه بالحربة من خلفه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حرام: "الله أكبر، فُزْتُ ورب الكعبة".
ثم استنفر عامر بني عامر إلى قتال الباقين فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سليم، فأجابته عُصَيَّة ورِعْل وذَكْوان، فجاءوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد بن النجار فإنه ارْتُثَّ من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق.
ورجع عمرو بن أمية الضمري إلى النبي صلى الله عليه وسلم حاملاً أنباء المصاب الفادح — مصرع سبعين من أفاضل المسلمين — تُذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد؛ إلا أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح، وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة.
ولما كان عمرو بن أمية في الطريق نزل في ظل شجرة، وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما فتك بهما عمرو وهو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر به، فلما قدم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل، فقال: (لقد قتلت قتيلين لأدِيَنَّهما)، وانشغل بجمع ديتهما من المسلمين ومن حلفائهم اليهود، وهذا الذي صار سببًا لغزوة بني النضير.
وقد تألم النبي صلى الله عليه وسلم لأجل هذه المأساة تألمًا شديدًا، حتى دعا على هؤلاء الأقوام. ففي الصحيح عن أنس قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة ثلاثين صباحًا، يدعو في صلاة الفجر على رِعْل وذَكْوَان ولَحْيَان وعُصَية، ويقول:
(عُصَية عَصَتْ الله ورسوله)
فأنزل الله تعالى على نبيه قرآنًا قرأناه حتى نُسخ بعد: (بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه) فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قُنُوتَه.
خامسًا: غزوة بني النضير
قد أسلفنا أن اليهود كانوا يتحرقون على الإسلام والمسلمين إلا أنهم لم يكونوا أصحاب حرب وضرب، بل كانوا أصحاب دس ومؤامرة، يجاهرون بالحقد والعداوة ويختارون أنواعًا من الحيل لإيقاع الإيذاء بالمسلمين دون أن يقوموا للقتال. ولكنهم بعد وقعة أحد تجرأوا، فكاشفوا بالعداوة والغدر، وأخذوا يتصلون بالمنافقين وبالمشركين من أهل مكة سرًّا.
مؤامرة الاغتيال
وصبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى ازدادوا جرأة بعد وقعة الرَّجِيع وبئر مَعُونة، حتى قاموا بمؤامرة تهدف القضاء على النبي صلى الله عليه وسلم. فإنه صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في نفر من أصحابه، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية — وكان ذلك يجب عليهم حسب بنود المعاهدة — فقالوا: "نفعل يا أبا القاسم، اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك". فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم، وجلس معه أبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه.
وخلا اليهود بعضهم إلى بعض، وسول لهم الشيطان الشقاء، فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: "أيكم يأخذ هذه الرَّحَى ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟" فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: "أنا". فقال لهم سَلاَّم بن مِشْكَم: "لا تفعلوا، فوالله ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه". ولكنهم عزموا على تنفيذ خطتهم. ونزل جبريل من عند رب العالمين على رسوله صلى الله عليه وسلم يعلمه بما هموا به، فنهض مسرعًا وتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه فقالوا: نهضت ولم نشعر بك، فأخبرهم بما هَمَّت به يهود.
الحصار والجلاء
وما لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعث محمد بن مسلمة إلى بني النضير يقول لهم: (اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرًا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه). ولم يجد يهود مناصًا من الخروج، فأقاموا أيامًا يتجهزون للرحيل، بيد أن رئيس المنافقين عبد الله بن أبي بعث إليهم أن اثبتوا وتَمَنَّعُوا، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم.
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم جواب حيي بن أخطب كبر وكبر أصحابه، ثم نهض لمناجزة القوم، فاستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وسار إليهم وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء، فلما انتهى إليهم فرض عليهم الحصار. والتجأ بنو النضير إلى حصونهم يرمون بالنبل والحجارة، وكانت نخيلهم وبساتينهم عونًا لهم، فأمر بقطعها وتحريقها. وفي ذلك أنزل الله تعالى: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ} [الحشر: 5].
واعتزلتهم قريظة، وخانهم عبد الله بن أبي وحلفاؤهم من غطفان، فلم يحاول أحد أن يسوق لهم خيرًا أو يدفع عنهم شرًّا. ولم يطل الحصار — دام ست ليال فقط — حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فاندحروا وتهيأوا للاستسلام. فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم، وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح.
فخربوا بيوتهم بأيديهم ليحملوا الأبواب والشبابيك، بل حتى حمل بعضهم الأوتاد وجذوع السقف، ثم تحملوا على ستمائة بعير، فترحل أكثرهم إلى خيبر، وذهبت طائفة إلى الشام، وأسلم منهم رجلان فقط: يامِينُ بن عمرو وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما. وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاح بني النضير، واستولى على أرضهم وديارهم وأموالهم، فوجد من السلاح خمسين درعًا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفًا.
وكانت أموال بني النضير خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء، ولم يُخَمِّسْها لأن الله أفاءها عليه ولم يوجِف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فقسمها بين المهاجرين الأولين خاصة. وكانت غزوة بني النضير في ربيع الأول سنة 4 من الهجرة (أغسطس 625م)، وأنزل الله فيها سورة الحشر بأكملها. وكان ابن عباس يقول عنها: "قل: سورة النضير".
سادسًا: غزوة نجد
وبهذا النصر الذي أحرزه المسلمون في غزوة بني النضير دون قتال وتضحية، توطد سلطانهم في المدينة، وتخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم، وأمكن للرسول صلى الله عليه وسلم أن يتفرغ لقمع الأعراب الذين آذوا المسلمين بعد أحد.
فنقلت إليه استخبارات المدينة بتحشد جموع البدو من بني مُحَارِب وبني ثعلبة من غَطَفَان، فسارع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخروج، يجوس فيافي نجد، ويلقي بذور الخوف في أفئدة أولئك البدو القساة. فأضحي الأعراب لا يسمعون بمقدم المسلمين إلا حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال، ثم رجعوا إلى المدينة آمنين.
وقد ذكر أهل المغازي غزوة معينة في أرض نجد في شهر ربيع الثاني أو جمادي الأولى سنة 4 هـ يسمونها غزوة ذات الرِّقَاع. أما أن تلك الغزوة هي غزوة ذات الرقاع فلا يصح، فإن غزوة ذات الرقاع شهدها أبو هريرة وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهما، وكان إسلام أبي هريرة قبل غزوة خيبر بأيام، وإذن فغزوة ذات الرقاع بعد خيبر، ويدل على تأخرها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها صلاة الخوف، وكانت أول شرعيتها في غزوة عُسْفَان، وكانت غزوة الخندق في أواخر السنة الخامسة.
سابعًا: غزوة بدر الثانية (بدر الموعد)
ولما خضد المسلمون شوكة الأعراب أخذوا يتجهزون لملاقاة عدوهم الأكبر، فقد استدار العام وحضر الموعد المضروب مع قريش في غزوة أحد. ففي شعبان سنة 4هـ (يناير 626م) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده في ألف وخمسمائة مقاتل، كانت الخيل عشرة أفراس، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وانتهى إلى بدر فأقام بها ينتظر المشركين.
وأما أبو سفيان فخرج في ألفين من مشركي مكة ومعهم خمسون فرسًا، حتى انتهى إلى مَرِّ الظَّهْرَان على بعد مرحلة من مكة فنزل بمَجَنَّة. خرج أبو سفيان متثاقلاً يفكر في عاقبة القتال، وقد أخذه الرعب واستولت على مشاعره الهيبة، فلما نزل بمر الظهران خار عزمه، فاحتال للرجوع وقال لأصحابه: "يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا". ويبدو أن الخوف والهيبة كانت مستولية على مشاعر الجيش أيضًا، فقد رجع الناس ولم يبدوا أي معارضة.
وأما المسلمون فأقاموا ببدر ثمانية أيام ينتظرون العدو، وباعوا ما معهم من التجارة فربحوا بدرهم درهمين، ثم رجعوا إلى المدينة وقد انتقل زمام المفاجأة إلى أيديهم، وتوطدت هيبتهم في النفوس، وسادوا على الموقف. وتعرف هذه الغزوة ببدر الموعد، وبدر الثانية، وبدر الآخرة، وبدر الصغرى.
ثامنًا: غزوة دُوَمة الجندل
عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر وقد ساد المنطقة الأمن والسلام واطمأنت دولته، فتفرغ للتوجه إلى أقصى حدود العرب. مكث بعد بدر الصغرى في المدينة ستة أشهر، ثم جاءت الأخبار بأن القبائل حول دومة الجندل — قريبًا من الشام — تقطع الطريق وتنهب ما يمر بها وأنها حشدت جمعًا كبيرًا تريد أن تهاجم المدينة.
فاستعمل على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَة الغفاري، وخرج في ألف من المسلمين لخمس ليال بقين من ربيع الأول سنة 5هـ، وأخذ رجلاً من بني عُذْرَة دليلاً يقال له: مذكور. خرج يسير الليل ويكمن النهار حتى يفاجئ أعداءهم، فلما دنا منهم إذا هم مغربون، فهجم على مواشيهم ورعائهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب. وأما أهل دومة الجندل ففروا في كل وجه، فلما نزل المسلمون بساحتهم لم يجدوا أحدًا، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أيامًا وبث السرايا فلم يصب منهم أحد، ثم رجع إلى المدينة ووادع في تلك الغزوة عيينة بن حصن.
بهذه الإجراءات السريعة الحاسمة نجح النبي صلى الله عليه وسلم في بسط الأمن وتنفيذ السلام في المنطقة والسيطرة على الموقف، فقد سكت المنافقون واستكانوا، وتم إجلاء قبيلة من اليهود، واستكانت البدو والأعراب، وحادت قريش عن مهاجمة المسلمين، ووجد المسلمون فرصة لنشر الإسلام وتبليغ رسالات رب العالمين.
تاسعًا: غزوة الأحزاب (الخندق) — المعركة الفاصلة
مؤامرة اليهود وتأليب الأحزاب
عاد الأمن والسلام وهدأت الجزيرة العربية بعد الحروب والبعوث التي استغرقت أكثر من سنة كاملة، إلا أن اليهود — الذين ذاقوا ألوانًا من الذلة والهوان نتيجة غدرهم — لم يفيقوا من غيهم. شرعوا في التآمر من جديد على المسلمين، ولما لم يكونوا يجدون في أنفسهم جرأة على قتال المسلمين مباشرة خططوا خطة رهيبة.
خرج عشرون رجلاً من زعماء اليهود وسادات بني النضير إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو الرسول صلى الله عليه وسلم ووعدوهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش — وكانت قد أخلفت موعدها في بدر فرأت في ذلك إنقاذًا لسمعتها. ثم خرج الوفد إلى غَطَفَان فاستجابوا، ثم طاف في قبائل العرب فاستجاب له من استجاب.
تشكيل جيش الأحزاب
| الجهة | العدد / القائد |
|---|---|
| قريش وكنانة وحلفاؤهم (من الجنوب) | 4,000 — قائدهم أبو سفيان |
| بنو فَزَارة | يقودهم عُيينَة بن حِصْن |
| بنو مُرَّة | يقودهم الحارث بن عوف |
| بنو أشجع | يقودهم مِسْعَر بن رُحَيلَة |
| غطفان ومن تبعهم (من الشرق) | 6,000 |
| المجموع | 10,000 مقاتل |
خطة سلمان الفارسي — حفر الخندق
وسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عقد مجلس استشاري أعلى، وبعد مناقشات اتفقوا على قرار قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي رضي الله عنه. قال سلمان: "يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خَنْدَقْنَا علينا". وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك.
فوكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا من الخندق أربعين ذراعًا، وقام المسلمون بجد ونشاط يحفرون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم ويساهم معهم. وفي البخاري عن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول الله في الخندق ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اللهم إن العيش عيش الآخرة ** فاغفـر للأنصـار والمهـاجرة
نحـن الذيـن بايعـوا محمـداً ** على الجهـاد ما بقيـنا أبداً
فقالوا مجيبين له
آيات من أعلام النبوة أثناء حفر الخندق
وكان المسلمون يعملون وهم يقاسون من شدة الجوع ما يفتت الأكباد. قال أنس: كان أهل الخندق يؤتون بملء كفي من الشعير فيصنع لهم بإهَالَةٍ سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع. وقال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين.
وعن جابر قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كُدْية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: (أنا نازل)، ثم قام وبطنه معصوب بحجر — ولبثنا ثلاثة لا نذوق ذواقًا — فأخذ المِعْوَل فضرب فعاد كثيبًا أهْيَل — أي صار رملاً لا يتماسك.
وقال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت صخرة لا تأخذ منها المعاول، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ المعول وقال: (بسم الله)، ثم ضرب ضربة وقال: (الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة)، ثم ضرب الثانية وقال: (الله أكبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن)، ثم ضرب الثالثة وقال: (الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني).
بدء الحصار ومبارزة عمرو بن عبد ودّ
وواصل المسلمون عملهم حتى تكامل الخندق قبل أن يصل الجيش الوثني. وأقبلت قريش في أربعة آلاف حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رُومَة، وأقبلت غَطَفَان في ستة آلاف حتى نزلوا بذَنَبِ نَقْمَي إلى جانب أحد. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين فجعلوا ظهورهم إلى جبل سَلْع والخندق بينهم وبين الكفار. وكان شعارهم: [حم لا ينصرون].
وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول الخندق بغير جدوى، فخرجت منها جماعة فيها عمرو بن عبد وُدّ وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم، فتيمموا مكانًا ضيقًا من الخندق فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم بين الخندق وسَلْع. وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة، ودعا عمرو إلى المبارزة فانتدب له علي، فاقتحم عمرو عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتجاولا وتصاولا حتى قتله علي رضي الله عنه، وانهزم الباقون حتى اقتحموا الخندق هاربين، وقد بلغ بهم الرعب إلى أن ترك عكرمة رمحه وهو منهزم عن عمرو.
غدر بني قريظة — الخطر من الداخل
وبينما كان المسلمون يواجهون الشدائد على جبهة المعركة كانت أفاعي الدس والتآمر تتقلب في جحورها. انطلق حيي بن أخطب كبير مجرمي بني النضير إلى ديار بني قريظة فأتى كعب بن أسد القرظي — سيد بني قريظة وصاحب عقدهم — فضرب عليه الباب فأغلقه دونه، فما زال يكلمه حتى فتح له، فقال حيي: "إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طَامٍ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، وبغطفان على قادتها وسادتها، قد عاهدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه".
فقال له كعب: "جئتني والله بذُلِّ الدهر وبجَهَامٍ قد هَرَاق ماؤه، فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاء". فلم يزل حيي بكعب يفْتِلُه في الذِّرْوَة والغَارِب حتى سمح له على أن أعطاه عهداً من الله وميثاقًا: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده ودخل مع المشركين في المحاربة ضد المسلمين.
{وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10، 11]
وبعث النبي صلى الله عليه وسلم لتحقيق الخبر السعدين؛ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة وخَوَّات بن جبير، وقال: (انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فالحنوا لي لحناً أعرفه، ولا تَفُتُّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس). فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون، فجاهروهم بالسب والعداوة، وقالوا: "لا عهد بيننا وبين محمد". فلما أقبلوا على النبي صلى الله عليه وسلم لحنوا له وقالوا: "عَضَل وقَارَة" — أي إنهم على غدر كغدر عضل وقارة بأصحاب الرَّجِيع.
خدعة نعيم بن مسعود — تفكيك التحالف
ثم إن الله عز وجل صنع أمرًا من عنده خذل به العدو، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلاً من غطفان يقال له نعيم بن مسعود الأشجعي رضي الله عنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد، فَخَذِّلْ عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة).
فذهب من فوره إلى بني قريظة — وكان عشيرًا لهم في الجاهلية — فقال لهم: "إن قريشًا ليسوا مثلكم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم، وإن قريشًا وغطفان إن أصابوا فرصة انتهزوها وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمدًا فانتقم منكم، فلا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن". ثم مضى إلى قريش فقال لهم: "إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض العهد، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم". ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة 5هـ بعثوا إلى يهود: "انهضوا بنا حتى نناجز محمدًا"، فأرسل إليهم اليهود: "اليوم يوم السبت، ولا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن"، فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش وغطفان: "صدقكم والله نعيم"، فبعثوا إلى يهود: "إنا والله لا نرسل إليكم أحدًا"، فقالت قريظة: "صدقكم والله نعيم". فتخاذل الفريقان ودبت الفرقة بين صفوفهم وخارت عزائمهم.
نصر الله وتفرق الأحزاب
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب: (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم). وقد سمع الله دعاء رسوله، فبعد أن دبت الفرقة أرسل الله عليهم جندًا من الريح فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قِدْرًا إلا كفأتها، ولا طُنُبًا إلا قلعته، وأرسل جندًا من الملائكة يزلزلونهم ويلقون في قلوبهم الرعب.
وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة الباردة القارسة حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحالة وقد تهيأوا للرحيل، فرجع فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رد الله عدوه بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وكفاه الله قتالهم. وكانت غزوة الخندق سنة خمس من الهجرة في شوال، وأقام المشركون محاصرين شهرًا أو نحو شهر.
إن معركة الأحزاب لم تكن معركة خسائر بل كانت معركة أعصاب، لم يجر فيها قتال مرير إلا أنها كانت من أحسم المعارك في تاريخ الإسلام، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجلى الله الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم).
عاشرًا: غزوة بني قريظة — محاكمة الغادرين
وفي اليوم الذي رجع فيه رسول الله إلى المدينة جاءه جبريل عند الظهر وهو يغتسل في بيت أم سلمة، فقال: "أو قد وضعت السلاح؟ فإن الملائكة لم تضع أسلحتها، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، فانهض بمن معك إلى بني قريظة". فأمر مؤذنًا فأذن: "من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلِّينَّ العصر إلا ببني قريظة". واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأعطى الراية علي بن أبي طالب.
فسار علي حتى دنا من حصونهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في موكبه من المهاجرين والأنصار — وهم ثلاثة آلاف والخيل ثلاثون فرسًا — فنازلوا حصون بني قريظة وفرضوا عليهم الحصار. ولما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال: إما الإسلام، أو قتل ذراريهم ونسائهم بأيديهم ثم الخروج للمناجزة، أو الهجوم يوم السبت لأنهم أمنوا فيه. فأبوا أن يجيبوه إلى واحدة، فقال كعب في انزعاج: "ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازمًا".
استشارة أبي لبابة وحكم سعد بن معاذ
فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرسل إلينا أبا لُبَابة نستشيره — وكان حليفًا لهم — فلما رأوه جَهِشَ النساء والصبيان يبكون في وجهه، فَرَقَّ لهم وقالوا: "أترى أن ننزل على حكم محمد؟" قال: "نعم" — وأشار بيده إلى حلقه يقول: إنه الذبح — ثم علم من فوره أنه خان الله ورسوله، فمضى إلى المسجد النبوي فربط نفسه بسارية المسجد وحلف ألا يحله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده.
وقامت الأوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: "يا رسول الله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا فأحسن فيهم"، فقال: (ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟) قالوا: "بلى"، قال: (فذاك إلى سعد بن معاذ). فأرسل إلى سعد — وكان قد أصيب أكْحُلَه في معركة الأحزاب — فأُركب حمارًا وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ولما انتهى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة: (قوموا إلى سيدكم)، فلما أنزلوه قالوا: "يا سعد، إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك"، قال: "وحكمي نافذ عليهم؟" قالوا: "نعم"، قال: "وعلى المسلمين؟" قالوا: "نعم"، قال: "وعلى من هاهنا؟" وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له، قال: (نعم، وعلي).
قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تُقتل الرجال، وتُسبى الذرية، وتُقسم الأموال
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات).
وكان حكم سعد في غاية العدل والإنصاف، فإن بني قريظة — بالإضافة إلى غدرهم — كانوا قد جمعوا لإبادة المسلمين ألفًا وخمسمائة سيف، وألفين من الرماح، وثلاثمائة درع، وخمسمائة ترس. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحُبسوا في دار بنت الحارث، وحُفرت لهم خنادق في سوق المدينة، ثم جُعل يذهب بهم أرسالاً وتُضرب أعناقهم — وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة.
وقُتل معهم حيي بن أخطب — شيطان بني النضير — فلما أُتي به وعليه حُلَّة قد شقها من كل ناحية بقدر أنملة لئلا يُسْلَبَها، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما والله ما لمت نفسي في معاداتك، ولكن من يُغالب الله يُغْلَب". ثم قال: "أيها الناس، لا بأس بأمر الله، كتاب وقَدَر ومَلْحَمَة كتبها الله على بني إسرائيل"، ثم جلس فضُربت عنقه.
ولما تم أمر قريظة أجيبت دعوة العبد الصالح سعد بن معاذ رضي الله عنه — التي قدمنا ذكرها في غزوة الأحزاب — فقد انتقضت جراحته. قالت عائشة: فانفجرت من لَبَّتِهِ فلم يَرُعْهُم إلا والدم يسيل، فمات منها. وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ). وصحح الترمذي أن الملائكة كانت تحمل جنازته.
وأما أبو لُبابة فأقام مرتبطًا بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة ثم يعود فيرتبط، ثم نزلت توبته سَحَرًا وهو في بيت أم سلمة، فقامت على باب حجرتها وقالت: "يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك"، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مر خارجًا إلى صلاة الصبح أطلقه. وقعت هذه الغزوة في ذي القعدة سنة 5 هـ، ودام الحصار خمسًا وعشرين ليلة.
حادي عشر: مقتل سَلاَّم بن أبي الحُقَيْق
كان سلام بن أبي الحقيق — وكنيته أبو رافع — من أكابر مجرمي اليهود الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين وأعانهم بالمؤن والأموال الكثيرة، فلما فرغ المسلمون من أمر قريظة استأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله — وكان قتل كعب بن الأشرف على أيدي رجال من الأوس، فرغبت الخزرج في إحراز فضيلة مثل فضيلتهم.
فأذن رسول الله في قتله ونهى عن قتل النساء والصبيان، فخرجت مفرزة قوامها خمسة رجال كلهم من بني سلمة من الخزرج، قائدهم عبد الله بن عَتِيك. فاتجهوا نحو خيبر حيث حصن أبي رافع، فلما دنوا وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله بن عتيك لأصحابه: "اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب".
فدخل فكمن، فلما أغلق الباب وعلق الأغاليق أخذ الأقاليد ففتح الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده في علُّية له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعد إليه فجعل كلما فتح بابًا أغلقه على من داخل. ثم انتهى إليه فإذا هو في بيت مظلم، فقال: "أبا رافع؟" قال: "من هذا؟" فأهوى نحو الصوت فضربه ضربة ولم يُغن شيئًا، ثم عاد فضربه ضربة أثخنته ووضع ضَبِيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته.
ثم انطلقت إلى أصحابي فقلت: "النجاء"، ثم انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال: (ابسط رجلك)، فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها — وفي رواية أنه دعا له فبرئ — والله لأنا نترك أثر المعجزات النبوية في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب العظيم.
أسئلة مقترحة للمراجعة والنقاش
1. ما الأثر الذي تركته مأساة أحد على سمعة المسلمين وهيبتها؟ وكيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم إعادة الهيبة للمسلمين خلال الفترة بين أحد والأحزاب؟
2. قارن بين مأساة الرَّجِيع ومأساة بئر مَعُونة من حيث عدد الشهداء وطريقة الغدر والنتائج المترتبة على كل منهما.
3. اشرح مؤامرة بني النضير لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم بالتفصيل، وما دور جبريل عليه السلام في كشف هذه المؤامرة؟
4. لماذا لم تُخَمَّس أموال بني النضير؟ وما الفرق بين الفيء والغنيمة من حيث الحكم الشرعي في تقسيمها؟
5. ما أهمية خطة سلمان الفارسي في حفر الخندق؟ وما الدلالات الإيمانية في الأحداث المعجزة التي وقعت أثناء الحفر؟
6. اشرح بدقة خطة نعيم بن مسعود الأشجعي في تفكيك تحالف الأحزاب، وما أثرها على مسار المعركة؟
7. ما هي الخصال الثلاث التي عرضها كعب بن أسد على بني قريظة عند اشتداد الحصار؟ ولماذا رفضوها جميعًا؟
8. ما سبب تأخر غزوة بدر الثانية (بدر الموعد) عن موعدها الفعلي؟ وما الذي يدل عليه رجوع أبي سفيان بألفي مقاتل بدون قتال؟
9. ماذا يستفاد من موقف خُبَيب بن عدي عند صلبه من حيث ثباته على الإيمان وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم وتأسيسه لسنة الركعتين عند القتل؟
10. اذكر موقفين على الأقل يوضحان حكمة النبي صلى الله عليه وسلم العسكرية في التعامل مع الأخطار المتعددة التي توالت على المدينة بين أحد والأحزاب.
11. ما الدور الذي لعبته صفية بنت عبد المطلب في حفظ ذراري المسلمين ونسائهم أثناء غزوة الأحزاب؟
12. قارن بين دور عبد الله بن أبي بن سلول في غزوة أحد ودوره في غزوة بني النضير من حيث التآمر والنتائج التي ترتبت على كل موقف.
هكذا تمكن النبي صلى الله عليه وسلم بحكمته وبصيرته النبوية من تحويل موقف المسلمين من ضعف وهيبة مفقودة بعد أحد، إلى قوة وهيبة مسيطرة بعد غزوة الأحزاب وبني قريظة. وقد تخللت هذه الفترة سرايا وبعوث وغزوات شكلت معًا استراتيجية شاملة أعادت للمسلمين مكانتهم، وقضت على أخطر التحالفات التي حيكت ضد الإسلام، وأثبتت أن القيادة النبوية كانت يقظة واعية تتعامل مع كل تحدٍّ بما يناسبه من حكمة وحسم.
الكتاب: الرحيق المختوم — المؤلف: صفي الرحمن المباركفوري
صندوق التعليقات
إرسال تعليق