1. تعريف الطهارة
الطهارة في اللغة: النظافة. تقول: طَهَّرتُ الثوبَ أي نظَّفته. وفي الشرع: رفع الحدث وإزالة النجس.
المطهِّر أربعة أشياء:
| المطهِّر | الاستخدام |
|---|---|
| الماء | للطهارة من الحدث والخبث |
| التراب | للتيمم ونجاسة الكلب والخنزير |
| الدابغ | لطهارة جلد الميتة |
| التخلل | لتطهير الخمر |
2. المياه التي يجوز بها التطهير
المياه التي يجوز بها التطهير سبعة مياه:
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُم بِهِ [الأنفال: 11]
لقوله صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن ماء البحر:
«هو الطَّهُورُ ماؤهُ الحِلُّ ميتتُه» [رواه الشيخان والترمذي وابن حبان]
لحديث سهل، قالوا: يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة وفيها ما يُلقي الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الماءُ طَهورٌ لا يُنَجِّسُه شيء» [أخرجه الترمذي وصححه وأحمد]
لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبَّر في الصلاة سكت هُنيَّةً قبل أن يقرأ، فسألوه فقال:
«أقولُ: اللهم باعِدْ بيني وبينَ خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من خطاياي كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس، اللهم اغسِلْني من خطاياي بالماء والثلج والبَرَد» [رواه الشيخان]
تشمل أيضاً:
- ماء النهر
- ماء العين
- ماء البَرَد
3. أقسام المياه
تنقسم المياه إلى خمسة أقسام:
وهو طاهر في نفسه مُطهِّر لغيره، يرفع الحدث ويُزيل النجس، غير مكروه استعماله. وسمي مطلقاً لأن الماء إذا أُطلق انصرف إليه. والماء المطلق: هو ما اتفق عليه في عرف أهل الشرع اسم ماء بلا قيد، فيخرج الماء المستعمل حيث لا يُطلق عليه اسم الماء في عرف أهل الشرع، ولذلك يخرج ماء الورد والعصير حيث لا يُطلق عليهما اسم الماء مطلقاً.
وهو طاهر في نفسه مطهِّر لغيره، يرفع الحدث ويُزيل النجس، لكنه مكروه استعماله لما روى الشافعي عن عمر أنه يورث البرص، ورواه الدارقطني بإسناد صحيح عنه. وقُيِّدت الكراهة بشيئين:
أحدهما: أن يكون التشميس في الأواني المنطبعة كالنحاس والحديد والرصاص، لأن الشمس إذا أثَّرت فيها خرج منها زهومة تعلو على وجه الماء ومنها يتولد البرص.
ثانيهما: أن يقع التشميس في البلاد الشديدة الحرارة.
الروايات في أن الماء المشمس يورث البرص ضعيفة كلها. والراجح هو عدم الكراهة إلا إذا أثبت الطب أن فيه ضرراً على الجسم.
وهو ماء استُعمل في رفع الحدث أو إزالة النجس إذا لم يتغير ولا زاد وزنه. لقوله صلى الله عليه وسلم:
«خَلَقَ الله الماءَ طَهُوراً لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ إِلَّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أو ريحَهُ» [وفي رواية لابن ماجه: أو لونَهُ]
والخلاف في أنه مُطهِّر: المذهب أنه غير مطهِّر لأن الصحابة رضي الله عنهم مع شدة اعتنائهم بالدين ما كانوا يجمعونه ليتوضأوا به، ولو كان سائغاً لفعلوه.
وقال بعض العلماء: الحق أن الماء لا يخرج عن كونه طهوراً بمجرد استعماله للطهارة إلا أن يتغير بذلك ريحه أو لونه أو طعمه. وقد كانت الصحابة رضي الله عنهم يكادون يقتتلون على ما تساقط من وضوئه صلى الله عليه وسلم فيأخذونه ويتبركون به. فالماء المستعمل طاهر ومطهِّر عملاً بالأصل وبالأدلة الدالة على أن الماء طهور.
هو طاهر في نفسه غير مُطهِّر لغيره إن كان تغيُّره بالمخالط يمنع إطلاق اسم الماء عليه وكان مستغنياً عنه.
أما إذا كان التغيير بما لا يستغني الماء عنه كالطين والطحلب والنورة والزرنيخ ونحوها في مقر الماء وممره، وكذا المتغير بطول المكث فإنه طهور للعسر وبقاء اسم الماء. ولا فرق في التغير الحسي أو المعنوي. ولو تغير الماء بالملح فإن كان جبلياً سلب طهورية الماء، وإلا فلا لأن الملح غير الجبلي أصله ماء.
وهو ينقسم إلى قسمين:
الماء القليل: ينجس بملاقاة النجاسة المؤثرة سواء تغيَّر أم لا، أخذاً من مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم:
«إذا بلغ الماء قلَّتين لم يَحمِل الخَبَثَ» [رواه أحمد وابن حبان والدارقطني والبيهقي والحاكم]
الماء الكثير: وهو قلتان فأكثر، فلا ينجس إلا بالتغير بالنجاسة. والقلتان مقدَّرتان بقلال هجر، قدَّرهما الشافعي بخمس قِرَب تقريباً، وبالمساحة: ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً.
واختار جماعة منهم الروياني أن الماء القليل كالكثير لا ينجس إلا بالتغير، وهو قوي من حيث الدليل والنظر لأن دلالة «خَلَقَ الله الماءَ طَهُوراً» دلالة منطوق وهي أرجح من دلالة المفهوم.
وأما غير الماء من المائعات فإنه ينجس بملاقاة النجس بالغاً ما بلغ — تغيَّر أم لم يتغير — والفرق بينه وبين الماء أنه لا يشق حفظها من النجس بخلاف الماء.
4. حكم السؤر
السؤر هو: ما بقي في الإناء من الماء بعد شرب الحيوان أو الإنسان. وهو أنواع:
وهو طاهر لقوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء: 70]
ومن تكريمه طهارته حياً وميتاً. وأما قوله تعالى: إنما المشركون نجس فالمراد نجاسة الاعتقاد لخبث باطنهم، وقد كانوا يخالطون المسلمين وترِد وفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخلون مسجده ولم يأمر بغسل شيء مما أصابته أبدانهم.
طاهر في حال حياته سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول إلا الكلب والخنزير. لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أنتوضأ مما أفضلت الحمر؟ قال:
«نَعَمْ وبما أفضلَتِ السَّباعُ» [أخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي]
وقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة:
«إنها لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنها من الطَّوَّافِينَ عليكم والطَّوَّافَاتِ» [رواه الخمسة، وقال الترمذي: حسن صحيح]
نجس يجب اجتنابه. لقوله صلى الله عليه وسلم:
«طَهُورُ إناء أحدكم إذا وَلَغَ فيه الكلبُ أن يَغسِلَهُ سبعَ مَرَّاتٍ أولاهُنَّ بالتُّراب» [رواه أحمد ومسلم]
وأما سؤر الخنزير فهو نجس لأن الخنزير أسوأ حالاً من الكلب، واحتج الماوردي على نجاسته بقوله تعالى: أو لحم خنزير فإنه رجس [الأنعام: 145] والرجس النجس.
5. جلود الميتة
تطهر جلود الميتة بالدباغ سواء في ذلك مأكول اللحم وغيره. لحديث ميمونة حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها:
«لو أخذتم إهابها؟» فقالوا: إنها ميتة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُطَهِّرُهُ الماءُ والقَرَظُ» [رواه أبو داود والنسائي وإسناده حسن]
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«إذا دُبِغَ الإهابُ فقد طَهَرَ» [رواه الشيخان]
والإهاب: الجلد. ويحصل الدباغ بالشَّبِّ والقَرَظ وقشور الرمان والعَفْص والملح ونحو ذلك. ويتحقق الدباغ بنزع فضلات الجلد وتطييبه بحيث لو نُقع في الماء لم يعد إليه الفساد والنتن، ويجب غسله بعد الدبغ إن دُبغ بنجس قطعاً، وكذا إن دُبغ بطاهر على الأصح.
وأما جلد الكلب والخنزير وما تولَّد منهما أو من أحدهما فلا يطهر بالدباغ لأنهما نجسان في حال الحياة والدباغُ إنما يطهِّر جلداً نجس بالموت.
عظم الميتة وشعرها
الميتة: ما زالت حياتها بغير ذكاة شرعية. وحكمها أنها نجسة بجميع أجزائها من لحم وجلد وعظم وشعر لقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: 3]
وتحريم ما ليس بحرام ولا ضرر في أكله يدل على نجاسته. ولقوله تعالى: إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس [الأنعام: 145] والرجس النجس.
وقيل: إن الشعر لا ينجس بالموت لأنه لا تحله الحياة بدليل أنه إذا قُطع من الحيوان لا يحس ولا يألم. ولقوله: «لا بأسَ بمسك الميتة إذا دُبِغَ، وصوفِها وشعرها إذا غُسِلَ» [رواه الدارقطني].
والجزء المنفصل من الحي كميتة ذلك الحي — إن كان طاهراً فطاهر، وإن كان نجساً فنجس — لخبر: «ما قُطِعَ من حَيٍّ فهو كَمَيتَتِه» [رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين].
فالمنفصل من الآدمي أو السمك أو الجراد طاهر ومن غيرها نجس. أما الشعر والصوف والريش والوبر من المأكول فطاهر بالإجماع. قال تعالى: وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ [النحل: 80]
أما شعر الآدمي فطاهر سواء انفصل منه في حال حياته أو بعد موته لقوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم [الإسراء: 70] وقضية التكريم أن لا يحكم بنجاسته بالموت.
6. استعمال أواني الذهب والفضة
يحرم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب على الرجال والنساء لقوله صلى الله عليه وسلم:
«الذي يشربُ في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرجرُ في بطنه نارَ جهنم» [رواه مسلم]
وكما يحرم الاستعمال في الأكل والشرب يحرم في غيرهما من سائر الاستعمالات. قال النووي في شرح مسلم: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب وسائر الاستعمالات في إناء الذهب والفضة، ويستوي في التحريم الرجل والمرأة بلا خلاف.
وكذلك يحرم تزيين الحوانيت والبيوت والمجالس بأواني الذهب والفضة، وكذا يحرم اتخاذ هذه الأواني من غير استعمال على الصحيح. ويحرم على الصائغ صنعة هذه الأواني ولا يستحق عليها أجرة لأن فعله معصية.
والإناء المضبَّب بالفضة لقصد الزينة يحرم استعماله واتخاذه سواء كانت الضبَّة كبيرة أو صغيرة. أما إذا كانت الضبَّة صغيرة بقدر الحاجة فلا تحرم للصغر، ولا تكره للحاجة، لما روى البخاري عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أنس ابن مالك رضي الله عنه وكان قد انصدع فسَلسله بفضة أي شده بخيط من فضة.
7. السواك
السواك هو استعمال عود من أراك أو نحوه في الأسنان وما حولها لإذهاب التغيُّر ونحوه، وهو سنة مطلقاً لقوله صلى الله عليه وسلم:
«السواكُ مَطْهَرةٌ للفم مَرْضَاةٌ للرب» [رواه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي والنسائي بإسناد صحيح]
مواضع تأكُّد استحباب السواك
- عند تغيُّر الفم من نحو رائحة كريهة كالثوم والبصل وغيرهما
- عند القيام من النوم — لما في الصحيحين: كان صلى الله عليه وسلم إذا قام من النوم يَشُوصُ فاه بالسواك
- عند القيام إلى الصلاة — لقوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواك عند كل صلاة» [رواه الشيخان]
- عند الوضوء — لقوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشُقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسواك عند كلِّ وُضوء» [رواه النسائي وابن ماجه]
- عند قراءة القرآن
ويحصل الاستياك بكل خشن مزيل، والأراك أولى، لأنه يشد اللثة، ويحول دون مرض الأسنان ويقوي الهضم، ويُدِرُّ البول، وينظف الفم، ويرضي الرب ويُبطئ الشيب ويصفي الخِلقة، ويُذكّي الفطنة، ويضاعف الأجر، ويسهِّل النزع، ويذكِّر الشهادة عند الموت.
ويستحب في السواك غسله قبل الاستياك وبعده، وأن يكون بيمينه، ويبدأ بالجانب الأيمن من فمه، وأن يمرَّه على سقف حلقه وكراسي أضراسه، وأن يكون طوله قدر شِبر لثبوت ذلك في السنة.
ومن لا أسنان له يستاك بأصبعه لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: الرجل يذهب فوه أيستاك؟ قال: «نَعَمْ». قلت: كيف يصنع؟ قال: «يُدخِلُ إصبعه في فيه» [رواه الطبراني].
8. الوضوء
الوضوء لغة: النظافة، لأن أصله من الوَضَاءة وهي النضارة والحسن. وشرعاً: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة مفتتحاً بالنية.
شروط الوضوء
- الإسلام والتمييز
- طهورية الماء
- عدم المانع الحسي كالوسخ الحائل دون وصول الماء إلى البشرة
- عدم المانع الشرعي كالحيض والنفاس
- دخول الوقت في حق صاحب الضرورات كالمستحاضة ومن به سلس البول والريح
فروض الوضوء الستة
لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما الأعمال بالنيات» [رواه الشيخان]. ووقت النية عند غسل أول جزء من الوجه، يقصد بها رفع الحدث أو استباحة الصلاة أو فرض الوضوء.
لقوله تعالى: فاغسلوا وجوهكم [المائدة: 6]. وحدُّ الوجه طولاً من منبت الشعر إلى منتهى الذقن، وعرضاً من الأذن إلى الأذن. ويجب غسل الوجه مع ما عليه من شعور إلا شعر العارضين: فإن كان خفيفاً وجب غسل ظاهره وباطنه مع البشرة، وإن كان كثيفاً وجب غسل ظاهره فقط. والخفيف ما ترى البشرة من خلاله.
لقوله تعالى: وأيديكم إلى المرفقين أي مع المرافق لأن إلى بمعنى مع. ويجب إيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة حتى ولو كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى البشرة لم يصح وضوؤه وصلاته باطلة.
الصادق بالقليل والكثير. لحديث المغيرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بناصيته وعلى عمامته وعلى الخفين [رواه مسلم]. ولو كان الفرض مسح الكل لما اكتفى بمسح الناصية.
لقوله تعالى: وأرجلكم إلى الكعبين [المائدة: 6] أي مع الكعبين. والمراد بالكعبين العظمان الناتئان بين الساق والقدم، وفي كل رجل كعبان.
وفرضيته مستفادة من الآية، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال بعد أن توضأ مرتباً: «هذا وُضُوءٌ لا يقبَلُ الله الصلاةَ إِلَّا بِهِ» [رواه البخاري]. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ابدَءُوا بما بدأ الله به» [رواه النسائي بإسناد صحيح].
سنن الوضوء
- التسمية في ابتدائه — لما رواه البيهقي بإسناد جيد
- غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء — لثبوته في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم
- المضمضة والاستنشاق — لفعله صلى الله عليه وسلم، ولقوله: «عَشْرٌ من السُّنَّة» وعدَّ منها المضمضة والاستنشاق [رواه مسلم]
- مسح جميع الرأس — لفعله صلى الله عليه وسلم وللخروج من الخلاف. والسنة أن يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بيديه إلى قفاه ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه
- مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء جديد — لقول عبد الله بن زيد: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فأخذ لأذُنَيه ماءً خِلافَ الماء الذي أخذه لرأسه [رواه الحاكم والبيهقي]
- تخليل اللحية الكثة — عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ يُشبِّك لحيته بأصابعه [رواه ابن ماجه]
- تخليل أصابع اليدين والرجلين — لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «إذا توضأت فخَلِّلْ أصابعَ يَدَيْكَ ورِجْلَيكَ» [رواه ابن ماجه والترمذي]
- تقديم اليمنى على اليسرى — لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم» [رواه أبو داود وابن ماجه]
- الطهارة ثلاثاً ثلاثاً — لحديث عثمان رضي الله عنه [رواه مسلم]
- الموالاة — لفعله صلى الله عليه وسلم وللخروج من الخلاف بحيث لا يجف الأول قبل الشروع في الثاني
- التيامن في جميع العضو
ويستحب بعد الوضوء قول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» لما روى مسلم: «من توضأ فقال: أشهدُ أن لا إلهَ إِلَّا الله... فُتِحَت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء».
ويُسَنُّ صلاة ركعتين بعد الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أحد يتوضأ فيحسنُ الوُضوءَ، ويُصلِّي ركعتين، يُقبِلُ بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجَنَّة» [رواه مسلم].
9. الاستنجاء
الاستنجاء لغة: طلب النجاة والخلاص من الشيء. وشرعاً: إزالة ما على السبيلين من النجاسة بالماء أو بالحجر أو بهما معاً.
حكمه: واجب — لقوله صلى الله عليه وسلم:
«إذا ذَهَبَ أَحَدُكم إلى الغائط فَلْيَذهب معه بثلاثة أحجار يَسْتَطِيبُ بهنَّ فإنها تُجزئ عنه» [رواه أبو داود والدارقطني وابن ماجه بإسناد حسن صحيح]
والأفضل في الاستنجاء الجمع بين الحجر والماء. ولو أراد المستنجي الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لأنه يزيل العين والأثر بخلاف الحجر فإنه لا يزيل إلا الأثر فقط. والواجب ثلاث مسحات بثلاثة أحجار إن حصل بها الإنقاء.
شروط الحجر في الاستنجاء
- أن يكون طاهراً فلا يكفي الاستنجاء بالنجس ولا بالمتنجس
- أن يكون قالعاً للنجاسة فلا يكفي الزجاج ونحوه
- أن لا يكون محترماً فلا يجوز الاستنجاء بمطعوم آدمي أو بالعظم — لما روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستنجاء بالعظم وقال: «إنه زادُ إخوانكم» أي من الجن
- أن لا يجف الخارج وإلا تعيَّن الماء
- أن لا ينتقل عن محل خروجه وإلا تعيَّن الماء
آداب قضاء الحاجة
- يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء بغير سترة معتبرة — لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» [رواه الشيخان]. أما إذا كان في البنيان فلا يحرم.
- ويجتنب البول في الماء الراكد — لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يَبُولَنَّ أحدكم في الماء الراكد» [رواه مسلم والنسائي]
- ويجتنب البول تحت الشجرة المثمرة
- ويجتنب البول في الطريق — لقوله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا اللَّعَّانَيْن» قالوا: وما اللعَّانان؟ قال: «الذي يتخلَّى في طريق الناس أو في ظِلِّهم» [رواه مسلم]
- ويجتنب البول في الثقب — لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الجحر لأنها مساكن الجن [رواه النسائي وأبو داود]
- ولا يتكلم على البول والغائط لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَخْرُجَ الرَّجلانِ يَضْرِبانِ الغائط كَاشِفَيْ عَوْرَتَيهِمَا يَتحدَّثانِ فإن الله يَمقُتُ على ذلك» [رواه أبو داود]
- ولا يستقبل الشمس والقمر ولا يستدبرهما لأنهما من آيات الله تعالى الباهرة
- وأن يقول عند الدخول: «بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث»
- وعند الفراغ يقدم رجله اليمنى ويقول: «غفرانك. الحمد لله الذي أذهب الأذى عني وعافاني»
10. نواقض الوضوء
منها ما خرج من السبيلين — القُبُل والدُّبُر — عيناً كان أو ريحاً، معتاداً كان أو نادراً كالدم والحصا، نجسَ العين كان أو طاهراً كالدود. والأصل في ذلك قوله تعالى: أو جاء أحد منكم من الغائط [النساء: 43]. ويشمل ذلك: البول والغائط، والريح لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة: «فساءٌ أو ضُراطٌ» [متفق عليه]، والمذي، والودي.
أما الخارج من غير السبيلين كالفصد والحجامة والقيء ونحو ذلك فلا ينقض الوضوء لأنه صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه.
لقوله صلى الله عليه وسلم: «العَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ (الدُّبُر) فإذا نَامَتِ العَيْنَانِ انطلق الوِكَاءُ فمن نام فليتوضأ» [رواه أبو داود وابن ماجه]. ومعنى الحديث أن اليقظة هي الحافظ لما يخرج منه ولا يشعر به.
ويستثنى من ذلك ما إذا نام ممكِّناً مقعدته من الأرض لقول أنس: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يُصلون ولا يتوضئون [رواه مسلم].
لمس المرأة الأجنبية المشتهاة بغير حائل — لقوله تعالى: أو لمستم النساء [النساء: 43]. واللمس لغة: مجيء الجلد على الجلد سواء حصل بقصد أو بغير قصد، بشهوة أو بغير شهوة. وإن لمس الرجل محرماً بنسب أو رضاع أو مصاهرة فإنه لا ينتقض وضوؤه على الراجح. أما إذا كان اللمس مع حائل فإنه لا ينقض الوضوء. وكذلك لا ينتقض الوضوء بلمس الظفر والشعر والسن.
مس فرج الآدمي ببطن الكف سواء كان نفسه أو من غيره — لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَن مَسَّ فَرجَه فلْيَتَوضَّأ» [رواه أحمد والترمذي وقال الحاكم: هو على شرط الشيخين]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذَا أفضَى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما سِتْرٌ ولا حِجابٌ فليتوضأ» [رواه ابن حبان].
من القواعد المقررة التي يُبنى عليها كثير من الأحكام الشرعية: استصحاب الأصل وطرح الشك وبقاء ما كان على ما كان عليه.
فمن تيقَّن الطهارة وشك في الحدث فالأصل بقاء الطهارة وعدم الحدث. ولو تيقَّن الحدث وشك في الطهارة فالأصل بقاء الحدث وعدم الطهارة. ولو تيقَّن الطهارة والحدث جميعاً ولم يعلم السابق منهما فينظر في حاله قبل ذلك ويبني على ما تيقنه.
11. الغسل
الغسل (بفتح الغين وضمها) لغة: سيلان الماء على الشيء مطلقاً. وشرعاً: سيلانه على جميع البدن مع النية مرة واحدة.
موجبات الغسل
الذي يوجب الغسل ستة أشياء، ثلاثة تشترك فيها الرجال والنساء:
- التقاء الختانين — وهو تغييب الحشفة أو قدرها في الفرج قُبُلاً أو دُبُراً من إنسان أو حيوان ولا فرق بين أن يُنزل أم لا. لحديث عائشة رضي الله عنها: «إذا التَقَى الخِتَانَانِ أو مَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ وَجَبَ الغُسْلُ» [رواه مسلم].
- إنزال المني — لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الماءُ من الماء» [رواه مسلم]. وسواء خرج في اليقظة أو النوم وسواء كان بشهوة أو غيرها. وللمني ثلاث خواص: رائحته كرائحة العجين، والتدفق بدفعات قال تعالى: خلق من ماء دافق [الطارق: 6]، والتلذذ بخروجه واستعقابه فتور الذكر.
- الموت — لقوله صلى الله عليه وسلم في المُحرِم الذي وقصته ناقته: «اغسلوه بماء وسِدْرٍ» [رواه الشيخان].
وثلاثة تختص بالنساء:
- الحيض — لقوله تعالى: ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن [البقرة: 222]
- النفاس — وهو كالحيض في ذلك لأنه دم حيض مجتمع، وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على أنه كالحيض.
- الولادة — ولو علقة أو مضغة، لأن الولادة مظنة خروج الدم، والولد مني منعقد من مني الرجل ومني المرأة وخروج المني موجب للغسل.
فرائض الغسل
- النية — لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما الأعمال بالنيات»، ومحلها القلب وتكون مع أول جزء مغسول من البدن. يقصد الجنب رفع الجنابة، وتقصد الحائض رفع حدث الحيض، والنفساء رفع حدث النفاس.
- إيصال الماء إلى أصول الشعر والبشرة — لقوله صلى الله عليه وسلم: «تحتَ كُلِّ شَعرَةٍ جنابةٌ فبلُّوا الشُّعورَ وأنقوا البَشَرةَ» [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه]. ويجب نقض الضفائر إن لم يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض.
- غسل الجمعة — لقوله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونِعمَت، ومن اغتسل فالغُسلُ أفضل» [رواه الترمذي]
- غسل العيدين — لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وفعل عمر وابن عمر وعلي
- الاستسقاء والكسوف والخسوف لأنها أعمال يشرع لها الاجتماع
- الغسل من غسل الميت — لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَن غَسَّلَ مَيتاً فليغتسل» [قال الترمذي: حديث حسن]
- غسل الكافر إذا أسلم
- غسل المجنون إذا أفاق وكذا المُغمى عليه لأن ذلك مظنة إنزال المني
- الغسل عند الإحرام — لحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه [رواه الترمذي]
- الغسل عند دخول مكة — ذكره ابن عمر رضي الله عنهما وروى نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم [رواه الشيخان]
- الغسل عند الوقوف بعرفة
- الغسل عند رمي الجمرات
- الغسل قبل الطواف بالبيت — نص الشافعي على استحباب الغسل لطواف القدوم وطواف الإفاضة وطواف الوداع
- الغسل للاعتكاف ولدخول المدينة المنورة
كشف العورة في الغسل: يحرم على الشخص أن يغتسل بحضرة الناس مكشوف العورة ويُعزَّر على ذلك. ويجوز كشف العورة في الخلوة والستر أفضل لأن الله أحق أن يُستحيا منه. وإذا دخل الرجل الحمام وجب عليه غضُّ البصر عما لا يحل له وصون عورته عن الكشف بحضرة من لا يحل لهم النظر إليها.
12. المسح على الخفين
يجوز المسح على الخفين لما رواه مسلم عن جرير قال: «رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالَ ثم توضأ ومسح على خُفَّيه» [متفق عليه]. وكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. وقال الحسن البصري: حدَّثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أجمع من يُعتدّ به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في الحضر والسفر.
شروط المسح
- أن يلبس الخفين جميعاً بعد طهارة كاملة — لحديث المغيرة: «دَعْهُما فإني أدخلتُهما وهما طاهرتان» [رواه الشيخان]
- أن يكون الخف صالحاً للمسح: بأن يستر محل الفرض، وأن يكون قوياً يمكن متابعة المشي عليه، وأن يمنع نفوذ الماء، وأن يكون طاهراً
مدة المسح
| الحالة | المدة |
|---|---|
| المقيم | يوم وليلة |
| المسافر | ثلاثة أيام ولياليهن |
ويشترط أن يكون السفر في غير معصية وإلا أتمَّ مسحَ المقيم على الراجح. وتبتدئ مدة المسح من الحدث بعد لبس الخف لا من وقت لبسه.
كيفية المسح
أقل المسح ما يُطلق عليه المسح من أعلى الخف، لحديث المغيرة رضي الله عنه: «رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يمسحُ على ظاهِر الخُفَّينِ» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي]. وأكمله أن يمسح أعلاه وأسفله. وكيفية المسح أن يضع يده اليسرى تحت العقب واليمنى على ظهر الأصابع ثم يمر اليمنى إلى آخر ساقه واليسرى إلى أطراف الأصابع من تحت.
ما يبطل المسح
- خلع الخفين أو أحدهما أو صيرورته غير صالح لتخرقه أو ضعفه
- انقضاء مدة المسح
- لزوم الماسح الغسلَ — لحديث صفوان بن عسَّال رضي الله عنه [رواه النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح]
13. التيمم
التيمم لغة: القصد. وفي الشرع: إيصال التراب الطهور إلى الوجه واليدين بشرائط مخصوصة. والأصل في جوازه الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [النساء: 43]
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لي الأرضُ مَسجِداً وتُربَتُها طَهُوراً» [رواه مسلم].
ضابط جواز التيمم
ضابط جواز التيمم إنما هو العجز عن استعمال الماء حساً أو شرعاً. وللعجز أسباب منها السفر والمرض. وللمسافر أربعة أحوال:
- أن يتيقن عدم الماء حواليه فلا يحتاج إلى الطلب
- أن يجوز وجود الماء حواليه فيجب عليه الطلب
- أن يتيقن وجوده على مسافة قريبة فيجب طلبه، وإن كان بعيداً بحيث لو طلبه خرج الوقت تيمَّم
- أن يكون الماء حاضراً لكن زحمة المسافرين تحول بينه وبين الوصول إليه — فالراجح أنه يتيمم للعجز الحسي ولا إعادة عليه
وللمريض ثلاثة أحوال: أن يخاف فوت الروح أو فوت عضو أو فوت منفعة العضو فيتيمم، وأن يخاف زيادة العلة أو حصول شين قبيح في عضو ظاهر فيتيمم على الراجح، وأن يخاف شيئاً يسيراً في غير الأعضاء الظاهرة فلا يجوز له التيمم.
شروط صحة التيمم
- دخول وقت الصلاة — لقوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا.. فتيمموا [المائدة: 6]
- طلب الماء والتحقق من عدم وجوده — لقوله تعالى: فلم تجدوا ماءً فتيمموا [المائدة: 6]
- تعذُّر استعمال الماء لمرض أو خوف أو حاجة لعطش ونحوه
- التراب الطهور له غبار يعلق بالوجه واليدين — لقوله صلى الله عليه وسلم: «التراب كافيك» وقوله: «جُعِلَتْ لي الأرضُ مَسجِداً وتُربَتُها طَهُوراً»
فروض التيمم الأربعة
- النية — وكيفيتها أن ينوي استباحة الصلاة. ولا يكفي نية رفع الحدث لأن التيمم لا يرفع حدثه.
- مسح الوجه
- مسح اليدين إلى المرفقين — لحديث ابن عمر: «التيمم ضربتان: ضربةً للوجه وضربةً لليدين إلى المِرْفَقَيْن» [رواه الحاكم]. وفي قول يكفي ضربة واحدة للوجه والكفين لحديث عمار [رواه الشيخان]. قال النووي: إنه أقوى في الدليل وأقرب إلى ظاهر السنة.
- الترتيب — بتقديم الوجه على اليدين. ويجب نزع الخاتم لأن التراب لا يدخل تحته.
سنن التيمم: التسمية، وتقديم اليمنى على اليسرى، والموالاة، والبداءة بأعلى وجهه، وتخفيف الغبار من كفيه، وتفريج أصابعه في أول الضربتين، وتخليل أصابعه بعد مسح اليدين.
ما يبطل التيمم:
- ما أبطل الوضوء يبطل التيمم
- رؤية الماء في غير وقت الصلاة — لقوله صلى الله عليه وسلم: «الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» [رواه أحمد والترمذي وصححه]
- الردة — وهي الخروج عن الإسلام وذلك محبط للأعمال
المسح على الجبيرة والعصابة
الجبيرة: شيء يوضع على العضو المكسور لإصلاحه كالعيدان الخشبية والجبس. والعصابة: لفاقة يُشد بها الجرح. وصاحب هذا إن قدر على نزعها وجب النزع وغسل الصحيح. وإن لم يقدر على نزعها إلا بضرر فلا يكلَّف نزعها لكن يجب عليه غسل الصحيح ثم يمسح الجبيرة بالماء ويتيمم. لحديث جابر رضي الله عنه أن رجلاً أصابه حجر فشجَّه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه فقالوا: لا نجدُ لكَ رُخصةً وأنت تقدِر على الماء فاغتسل فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أُخبر بذلك فقال: «قَتَلوهُ قَتَلَهُم الله، ألا سألوا إذا لَم يَعلَموا فإنما شِفَاءُ العِيِّ السؤالُ، إنما كانَ يكفيه أن يتيمم ويَعْصِبَ على جُرحِه ثم يمسح عليه ويغسلَ سائر جسده» [رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني].
وجوب التيمم لكل فريضة: لا يُصلَّى بالتيمم الواحد إلا فريضة واحدة، وأحسن ما يحتج به قوله تعالى: وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم.. فتيمموا [المائدة: 6]. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «من السنة أن لا يصلى بالتيمم إلا مكتوبةً واحدة». ويجوز أن يصلي بتيمم واحد ما شاء من النوافل.
14. النجاسة
النجاسة لغة: كل مستقذَر. وشرعاً: كل عين جرم تناولها على الإطلاق مع إمكانه لا لحرمتها ولا لاستقذارها ولا لضررها في بدن أو عقل في حال الاختيار.
حكم ما انفصل من باطن الحيوان
المنفصل عن باطن الحيوان نوعان: ما لا تحيله المعدة كاللعاب والعرق فحكمه حكم ما انفصل منه. وما تحيله المعدة كالبول والغائط والدم والقيء فهذه كلها نجسة من الحيوانات غير المأكولة بالإجماع.
غسل النجاسة
غسل النجاسة واجب للأمر به. وكيفيته:
- النجاسة العينية (التي تُشاهد بالعين): لا بد من إزالة العين والطعم واللون والريح. فإن بقي الطعم لم يطهر المحل، وإن بقي اللون وهو غير عسير الإزالة لم يطهر، أما إن عَسُر كدم الحيض فإنه يطهر للعسر. وإن بقيت الرائحة وهي عسرة الإزالة كرائحة الخمر يطهر المحل.
- النجاسة الحكمية (التي لا تُرى بالعين): الواجب غسلها المعتاد بالحتِّ والتحامل.
- بول الصبي الذي لم يطعم ولم يشرب سوى اللبن: يكفي فيه الرش بالماء حتى يعم جميع موضع البول. أما بول الصبية فيتعين غسله. لحديث عائشة رضي الله عنها [متفق عليه]. وفي رواية للترمذي: «يُنضح من بول الغلام ويُغسل من بول الجارية».
حكم الحيوان يقع في المائع فيموت
إذا وقع حيوان في إناء فيه مائع ومات فيه: فإن كان له نفس سائل — أي دم — تنجَّس المائع. لما سُئل صلى الله عليه وسلم عن الفأرة تموت في السمن: «إن كانَ جامداً فألقوها وما حَوْلَها، وإن كان مائعاً فأريقوه» [رواه البخاري]. وأما إذا لم يكن للحيوان نفس سائلة كالذباب والبعوض والعقارب فلا يتنجس المائع بموته فيه. لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الذُّبابُ في شراب أحدكم فليغمسه كُلَّه ثم لِيَنتَزِعْه فإن في أحدِ جَناحَيْهِ داءً وفي الآخر شفاء» [رواه البخاري وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان].
تطهير نجاسة الكلب والخنزير
يُغسل الإناء من ولوغ الكلب والخنزير سبع مرات إحداهن بالتراب — لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا وَلَغَ الكلبُ في إناء أحدكم فاغسلوه سبعَ مَرَّاتٍ أولاهنَّ بالتراب» [رواه مسلم].
تطهير الخمر إذا تخللت
إذا تخللت الخمرة بنفسها طهرت لأن نجاسة الخمرة وتحريمها إنما كان لأجل الإسكار وقد زال بالتخلل. قال النووي في شرح مسلم: أجمعوا على أن الخمر إذا انقلبت بنفسها خلاً طهرت. وإن خُلِّلت بطرح شيء فيها من بصل أو خميرة أو غير ذلك لم تطهر — لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الخمر يتخذ خلاً فقال: «لا» [رواه مسلم]. والفرق أن ما يُطرح في الخمر يتنجس بها فإذا استحالت خلاً تنجَّس الخل بهذه العين.
- طين شارع نجس يقيناً لمشقة الاحتراز
- ما لا يدركه الطرف السليم كرذاذ البول والخمر وما يعلق برجل الذباب
- دم البراغيث وإن كثر
- زرق الطير في المساجد اليسير عرفاً
- الشعر النجس اليسير من غير الكلب والخنزير
- دخان النجس وغباره مما تذروه الرياح
- الدم الباقي على اللحم والعظم
- لو تنجس فم حيوان طاهر كهرة ثم غاب وأمكن وروده ماء كثيراً ثم شرب من طاهر لم ينجسه
15. الحيض والنفاس والاستحاضة
الحيض
الحيض هو الدم الخارج بعد بلوغ المرأة من أقصى رحمها بلا علة، بل تقتضيه الطباع السليمة. والأصل في الحيض قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة: 222] وخبر الصحيحين: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم».
ولون دم الحيض على الأوصاف الآتية: السواد لحديث فاطمة بنت أبي حبيش: «إن كانَ دمُ الحيض فإنه أسود يُعرف» [رواه أبو داود والنسائي وابن حبان]، والحمرة لأنها أصل لون الدم، والصفرة وهي ماء كالصديد يعلوه اصفرار، والكُدرة وهي بين البياض والسواد كالماء العكر.
أما القصة البيضاء فلا تعد حيضاً — لحديث مرجانة مولاة عائشة: كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدُّرجة فيها الكرسف فيه الصفرة فتقول: «لا تعجلن حتى تَرَيْن القَصَّةَ البيضاء» [رواه مالك].
| الحكم | المدة |
|---|---|
| أقل الحيض | يوم وليلة |
| غالب الحيض | ست أو سبع أيام |
| أكثر الحيض | خمسة عشر يوماً |
| أقل الطهر بين الحيضتين | خمسة عشر يوماً |
| أقل النفاس | لحظة |
| غالب النفاس | أربعون يوماً |
| أكثر النفاس | ستون يوماً |
| أقل سن الحيض | تسع سنين |
| أقل مدة الحمل | ستة أشهر |
| أكثر مدة الحمل | أربع سنين |
ما يحرم بالحيض والنفاس
- الصلاة — لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَقبَلَتِ الحيضةُ فَدَعِي الصلاةَ». ولا تقضيها لما روت عائشة رضي الله عنها [رواه الشيخان وانعقد الإجماع]
- الصوم — لقوله صلى الله عليه وسلم: «أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تصم؟» [رواه الشيخان]، ويجب قضاؤه
- قراءة القرآن — لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقرأ الجُنُبُ ولا الحائضُ شيئاً من القرآن» [رواه أبو داود والترمذي]
- مس المصحف وحمله — لقوله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون [الواقعة: 79]
- دخول المسجد إن حصل جلوس أو لبث — لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا أُحِلُّ المسجدَ لحائض ولا جُنُب» [رواه أبو داود]. وإن دخلت مارة جاز للآية: إلا عابري سبيل [النساء: 43]
- الطواف بالبيت — لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» [رواه الشيخان]
- الوطء — لقوله تعالى: فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن [البقرة: 222]
- الاستمتاع بما بين السرة والركبة — لقوله صلى الله عليه وسلم: «لكَ ما فوقَ الإزار» [رواه أبو داود]. وفي قول قديم للشافعي أن الذي يحرم هو الوطء في الفرج وحده، واختار النووي هذا القول.
فإن وطئ عالماً بالتحريم فقد ارتكب كبيرة يجب عليه أن يتوب منها، ويستحب أن يتصدق بدينار إن كان الوطء في أول الحيض وبنصف دينار إن كان في آخره.
الاستحاضة
الاستحاضة هي الدم الخارج من فرج المرأة في غير أيام الحيض والنفاس. وللمستحاضة أربعة أحوال:
- مبتدأة مميِّزة: ترى في بعض الأيام دماً قوياً وفي بعضها دماً ضعيفاً — فالضعيف استحاضة والقوي حيض بشرط أن لا ينقص القوي عن أقل الحيض ولا يجاوز أكثره
- مبتدأة غير مميِّزة: رأته بصفة واحدة — فحيضها يوم وليلة وطهرها تسعة وعشرون بقية الشهر
- معتادة مميِّزة: سبق لها حيض وطهر وهي تعلمهما قدراً ووقتاً — فتُرَدُّ إليهما
- معتادة غير مميِّزة: رأته بصفة واحدة فلم تميز — فتُرَدُّ لعادتها لما روت أم سلمة [أخرجه مالك والنسائي وأبو داود والبيهقي وحسَّنه الترمذي]
16. ما يحرم على الجنب والمحدث
ما يحرم على الجنب — خمسة أشياء
- الصلاة للإجماع
- قراءة القرآن ولو آية أو حرفاً سراً أو جهراً — لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تَقرَأ الحائضُ ولا الجُنُبُ شيئاً من القرآن» [رواه الترمذي]. فإذا تلفظ بشيء من أذكار القرآن بقصد الذكر فقط لم يحرم، وإن قصد القرآن حرم.
- مس المصحف وحمله
- الطواف بالبيت — لقوله صلى الله عليه وسلم: «الطواف بالبيت صلاة» [رواه الحاكم]
- اللبث في المسجد — لقوله تعالى: ولا جنبا إلا عابري سبيل [النساء: 43]. أما العبور فلا يحرم بل ولا يكره إن كان له غرض صحيح.
ما يحرم على المحدث حدثاً أصغر — ثلاثة أشياء
- الصلاة ذات الركوع والسجود بالإجماع، وكذا سجود الشكر والتلاوة وصلاة الجنازة — لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبلُ الله صلاةً بغير طُهور» [قال الترمذي: أصح شيء في الباب]
- الطواف بالبيت
- مس المصحف وحمله — لقوله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون [الواقعة: 79]
لا يُمنع الصبي المميز من مس المصحف وحمله للتعليم إذا كان محدثاً لحاجة تعلمه ومشقة استمراره متطهراً، بل يُندب تمكينه من ذلك. أما غير المميز فيحرم تمكينه من ذلك لئلا ينتهكه. وكذلك يجوز للمعلم مسه وحمله وهو محدث لحاجة التعليم ومشقة استمرار الطهارة.
ويحل للمحدث قلب ورق المصحف بعود ونحوه لأنه ليس بحامل ولا ماس. ويجوز حمل المصحف في متاع تبعاً له. ولو خيف على مصحف تنجُّس أو تلف جاز له حمله مع الحدث صيانةً له، بل يجب عليه ذلك.
مصدر: الفقه الميسر في العبادات والمعاملات
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
صندوق التعليقات
إرسال تعليق