١تعريف الصلاة
الصلاة لغةً: الدعاء بخير، ومنه قوله تعالى ﴿وَصَلَّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أي ادعُ لهم. وفي الاصطلاح الشرعي: هي أقوالٌ وأفعالٌ مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. والأصل في وجوبها الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فمنكرها والمستهزئ بها كافرٌ مرتدٌ عن دينه.
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ﴾ [البقرة: 110] أي حافظوا عليها.
وقال ﷺ: «فرض الله على أمتي ليلة الإسراء خمسين صلاة فلم أزل أراجعه وأسأله التخفيف حتى جعلها خمسًا في كل يوم وليلة» متفق عليه
وقال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: أخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة.
وقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 17-18]
قال ابن عباس: أراد بحين تمسون صلاة المغرب والعشاء، وبحين تصبحون صلاة الصبح، وبعشيًّا صلاة العصر، وبحين تظهرون صلاة الظهر.
٢أوقات الصلاة
معرفة أوقات الصلاة من أهم أمورها؛ لأنها بدخول الوقت تجب الصلاة وبخروجه تفوت. والأصل في التوقيت الكتاب والسنة وإجماع الأمة. والظل يكون من أول النهار إلى آخره، والفيء يختص بما بعد الزوال.
قال ﷺ: «أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكان الفيء قدر شراك النعل، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق الأحمر، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب للصائم. فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل الأول، وصلى بي الفجر بإسفار ثم التفت إليَّ وقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين» رواه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه ابن خزيمة والحاكم. وقال الترمذي: قال البخاري إنه أصح شيء في المواقيت.
الشراك بكسر الشين: أحد سيور النعل.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَباً مَّوْقُوتَ﴾ [النساء: 103] أي مكتوبة موقوتة.
تنبيه: الظل وقت الزوال يختلف باختلاف البلاد، فحدوثه في مكان لا ظل للشاخص فيه كمكة وصنعاء اليمن هو الزوال، وزيادته في مكان للشاخص فيه ظل هو الزوال الذي يدخل به وقت الظهر.
وقت الظهر
يدخل بزوال الشمس، وينتهي بأن يصير ظلُّ كل شيءٍ مثله غيرَ ظل الزوال حالة الاستواء. لكن لا بد من زيادة ظل وإن قل لأن خروج وقت الظهر لا يكاد يعرف إلا بتلك الزيادة. فإذا صار ظل كل شيء مثله خرج وقت الاختيار لأن جبريل اختاره ويبدأ وقت الجواز بعد ذلك.
وقت العصر
يدخل وقت الاختيار بانتهاء وقت الظهر — أي حين يصير ظل كل شيء مثليه — وسمي وقت الجواز لذلك، وينتهي بغروب الشمس.
قال ﷺ: «وقت العصر ما لم تغرب الشمس» رواه مسلم
وقت المغرب
وقته واحد وهو غروب الشمس، فقد صلى جبريل بالنبي ﷺ في وقت واحد في اليومين. واختلفوا في خروج وقت المغرب على قولين:
الأول (وهو الأظهر): أنه يخرج بمقدار طهارة وستر عورة وأذان وإقامة وخمس ركعات لظاهر الحديث. وفي قول سبع ركعات بناء على أنه يسن ركعتان قبلها وهو الراجح. والاعتبار في ذلك بالوسط المعتدل.
الثاني: أنه لا يخرج إلا بمغيب الشفق الأحمر. واختار هذا القول ابن خزيمة والخطابي والبيهقي والغزالي والبغوي. قال النووي: الأحاديث الصحيحة مصرحة بذلك.
قال ﷺ: «وقت المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق» رواه مسلم
وعن بريدة: أن سائلاً سأل رسول الله عن مواقيت الصلاة فصلى به يومين فصلى المغرب في اليوم الأول حين غابت الشمس وصلاها في اليوم الثاني قبل أن يغيب الشفق. ثم قال: «أين السائل عن وقت الصلاة؟ قال الرجل: ها أنا يا رسول الله، فقال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم» رواه مسلم
وقت العشاء
يدخل بغياب الشفق الأحمر للأحاديث، ويخرج وقت الاختيار بمضي ثلث الليل لحديث أميني جبريل، وفي قول بمضي نصف الليل.
قال ﷺ: «وقت العشاء إلى نصف الليل» قال النووي: حديث صحيح
«لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل» صححه الحاكم على شرط الشيخين
ويمتد وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني.
قال ﷺ: «أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى» رواه مسلم
دل الحديث على أن وقت كل صلاة ممتد إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا صلاة الفجر فإنها لا تمتد إلى الظهر للإجماع على أن وقتها ينتهي بطلوع الشمس.
أما البلاد التي لا يغيب شفقها: فإنه يقدر بغياب شفق أقرب البلاد إليهم.
وقت صلاة الصبح
يدخل بطلوع الفجر الصادق وهو المنتشر ضوؤه معترضًا بالأفق. ووقت الاختيار إلى الإسفار لبيان جبريل. ثم يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس.
قال ﷺ: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح» رواه مسلم
تنبيه: اعلم أن الجواز بلا كراهة إلى طلوع الحمرة، فإذا طلعت يبقى وقت الكراهة إلى طلوع الشمس إذا لم يكن عذر.
ويكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها إلا في خير كمذاكرة العلم، لقول أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن النبي ﷺ: «كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها» متفق عليه.
٣شروط وجوب الصلاة
يشترط لوجوب الصلاة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والطهارة من الحيض، والطهارة من النفاس.
الكافر الأصلي
لا تجب عليه الصلاة وجوب مطالبة في الدنيا لأنها لا تصح منه في الكفر إذ هي قربة وليس هو من أهلها، ويقال مثل ذلك في جميع فروع الشريعة.
المرتد
تجب عليه الصلاة بلا خلاف لأنه بالإسلام التزم ذلك فلا تسقط عنه بالردة كمن أقر بمال عليه ثم ارتد لا يسقط عنه بالردة.
الصبي والمجنون والنائم
لا تجب عليهم الصلاة لقوله ﷺ: «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» أخرجه أبو داود وقال الترمذي: حديث حسن.
ويجب على ولي الصبي إذا ميز أن يأمره بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ويضربه عليها إذا بلغ العشر.
قال ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع»
ويجب على الآباء والأمهات تعليم أولادهم أحكام الطهارة والصلاة.
الحائض والنفساء
لا تجب عليهما بل تحرم عليهما الصلاة لقوله ﷺ: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة». والنفساء في حكمها.
٤شروط صحة الصلاة
اعلم أن الصلاة لها شروط وأركان وأبعاض وهيآت. والشرط والركن لابد منهما في صحة الصلاة، والفرق بينهما أن الشرط ما كان خارجًا عن ماهية الصلاة كطهارة الأعضاء من الحدث والنجس، والركن ما كان داخلها كالركوع والسجود. وشروط صحتها خمسة:
الأول: الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]
وقال ﷺ: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» رواه الجماعة — بضم الطاء. وأما الطهور بفتح الطاء: ما يتطهر به من ماء أو تراب
الثاني: الطهارة من النجاسة في البدن والثوب والمكان
في البدن: لقوله تعالى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5] والرجز النجس وهجره تركه فلا يتلطخ به، ولقوله لعائشة: «إذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» متفق عليه.
في الثوب: لقوله تعالى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] وفي الحديث في دم الحيض يصيب الثوب: «ثم اغسليه بالماء» حديث صحيح.
في المكان: لما بال الأعرابي في المسجد قال ﷺ: «صبوا عليه ذنوبًا (دلوا) من ماء» متفق عليه.
حكم الصلاة مع النجاسة: لو صلى بنجاسة لا يعفى عنها وهو جاهل بها حال الصلاة سواء في بدنه أو ثوبه أو موضع صلاته:
• إن لم يعلم بها ألبتة فقولان: الجديد وجب عليه القضاء لأنها طهارة واجبة فلا تسقط بالجهل كالطهارة من الحدث. والقديم: لا يجب القضاء واختاره ابن المنذر وكذا النووي في شرح المهذب.
• وإن علم بالنجاسة ثم نسيها وجب عليه القضاء لتقصيره في غسل النجاسة عند العلم بها.
الثالث: ستر العورة بلباس طاهر
يجب ستر العورة حتى في الخلوة والظلمة. والعورة هنا ما يجب سترها في الصلاة.
قال تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] الزينة: ستر العورة، والمسجد: الصلاة. والمعنى: استروا عوراتكم عند كل صلاة.
وقال ﷺ: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» رواه الترمذي وحسنه الحاكم على شرط مسلم. والخمار ما تغطي به المرأة رأسها، وقيل هو الستر عمومًا. والمراد بالحائض: البالغ.
والإجماع منعقد على وجوب ستر العورة في الصلاة عند القدرة. فإن عجز عن السترة صلى عريانًا ولا إعادة عليه لأنه عذر عام وربما يدوم، فلو أوجبنا الإعادة لشق.
شرط السترة: أن تمنع لون البشرة فلا يكفي الثوب الرقيق الذي لا يحجب العورة. ويكفي التطين إن لم يجد غيره.
ويجب ستر العورة من أعلاها وجوانبها فلو كانت العورة ترى منهما في ركوعه وسجوده لم يكف فيجب إما زر الثوب أو وضع شد عليه.
عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: قلت يا رسول الله أفأصلي في القميص؟ قال: «نعم زرِّرْه ولو بشوكة» رواه البخاري
لو لم يجد إلا ثوبًا نجسًا ولم يجد ماءً يغسله به: صلى فيه وأعاد، وفي قول يصلي عريانًا ولا إعادة عليه.
وكذلك لو حبس في مكان نجس ولم يجد إلا ثوبًا لا يكفيه لستر العورة والمكان: صلى عريانًا ولا إعادة عليه.
ويكره للمرأة أن تصلي وعلى وجهها نقاب إلا أن تكون في مسجد وهناك أجانب لا يتحرزون عن النظر وخشيت الفتنة وجب عليها وضع النقاب وحرم رفعه.
الرابع: العلم بدخول الوقت
لأن الصلاة لا تصح قبله. فإن جهل وجب عليه الاجتهاد لأنه مأمور به. والاجتهاد يكون بورد من قراءة أو درس علم، أو بصياح ديك مجرب، أو سماع مؤذن ثقة في يوم صحو. فإن كان في يوم غيم فلا يجوز لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا.
وإن غلب على ظنه دخول الوقت صلى، فإن لم يتبين له الحال فلا شيء عليه، وإن بان وقوع الصلاة في الوقت أو بعد الوقت صحت، وإن بان أنها قبل الوقت قضاها.
وإذا علم المنجم دخول الوقت بالحساب عمل به. والمنجم هو العالم بعلم الفلك ومنازل الشمس والقمر والنجوم وبه يعلم الكسوف والخسوف ومواقيت الصلاة والشهور وغير ذلك، وليس هو الذي يرجم بالغيب كهؤلاء الذين يضربون بالرمل ونحوه فإنهم فسقة وزنادقة.
«من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين يومًا»
وفي رواية لمسلم: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه»
الخامس: استقبال القبلة في حق القادر
لا يجب في شدة الخوف ولا في النافلة في السفر المباح كما سيأتي بيانه.
قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 150]
وقال ﷺ: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة» متفق عليه
والاستقبال لا يجب في غير الصلاة فتعين أن يكون فيها. والفرض استقبال عين القبلة للقريب بأن يحاذي بها بجميع بدنه، وجهتها للبعيد.
ويشترط في مصلى الفرض أن يكون مستقرًا إلا إذا كان في نحو سفينة فلا يشترط ذلك لتعسر الخروج منها أو تعذره. فلا يصح من الماشي وإن استقبل القبلة.
والقادر على يقين القبلة لا يجوز له الاجتهاد. وأما غير القادر:
• فإن وجد من يخبره عن علم اعتمده إن كان ثقة، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة والحر والعبد.
• والمخبر عن القبلة قد يكون بالعبارة وقد يكون بالإشارة إليها.
• فإن لم يجد من يخبره وكان قادرًا على الاجتهاد اجتهد واستقبل ما ظنه القبلة، وشرط الاجتهاد أن يكون عارفًا بأدلة القبلة.
• فإن لم يكن عارفًا بها قلد مسلمًا عدلاً عارفًا بالأدلة.
الإبرة (البوصلة): وهي آلة حديثة تبين جهة القبلة وتسمى البوصلة، ومن الأدلة ما يسمى بالإبرة.
٥جواز ترك القبلة في حالتين
الحالة الأولى: شدة الخوف والتحام الصفوف
في قتال العدو يصلون حينئذ ركبانًا ومشاة مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] هكذا فسرها ابن عمر قال نافع: لا أراه قال ذلك إلا عن رسول الله ﷺ — رواه مالك. وقال الماوردي: وقد رواه الشافعي بسنده عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ.
ولا يجب استقبال القبلة لا في حال التحريم ولا في غيره وإن كان راجلاً — قاله البغوي وغيره — ولا إعادة عليه. وليس له تأخير الصلاة عن الوقت لقوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَباً مَّوْقُوتَ﴾ [النساء: 103] أي منجمة في أوقات محدودة.
ويجب الاحتراز عن الصياح بكل حال لعدم الحاجة إليه.
وهذه الصلاة تجوز في: قتال الكفار، وقتال البغاة وقطاع الطرق، والدفاع عن النفس والعرض والمال حيوانًا كان أو غير حيوان، وفي حالة الهروب من سيل أو حريق ولم يجد معدلاً عنه، أو هرب من دين وهو معسر عاجز عن إقامة البينة، أو قصاص يرجو العفو منه. إذا سكن الغضب له الهرب، وله أن يصلي صلاة شدة الخوف في هربه.
الحالة الثانية: النافلة في السفر راكبًا أو ماشيًا
أما الراكب: لقول ابن عمر رضي عنهما: «كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به». أما إذا صلى الفريضة نزل عن راحلته.
قال جابر: «كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة» رواه البخاري
فلو كلف المسافر باستقبال القبلة لأدى ذلك إلى ترك الأوراد والنوافل أو ترك مصالح معايشهم.
أما الماشي: فبالقياس على الراكب لوجود المعنى. ثم هذا فيمن لا يمكنه التوجه للقبلة، فإن أمكنه لزمه بأن كان الزمام بيده والدابة سهلة الانقياد.
«كان إذا سافر وأراد أن يتنفل استقبل بناقته القبلة وكبر وصلى حيث وجَّه ركابه» رواه أبو داود بإسناد حسن
أحكام متفرقة في صلاة السفر:
• جهة المسافر قبلته، فلو انحرف عنها بطلت صلاته.
• وينحني للركوع والسجود ويكون سجوده أخفض من الركوع للتمييز بينهما.
• أما الماشي فإنه يركع ويسجد على الأرض، وله أداء التشهد ماشيًا لطوله كالقيام.
• أما راكب السفينة ونحوها فإنه لا يجوز له التنفل فيها إلى غير القبلة لتمكنه من ذلك.
٦أركان الصلاة
قد علمت أن الصلاة الشرعية تشتمل على أركان وشروط وأبعاض وهيآت. فمن الأركان سبعة عشر ركنًا:
تنبيه: الركن هو الشيء اللازم وجوده لتحقيق ماهية الصلاة فهو داخل في الصلاة وجزء منها. أما الشرط وإن كان لابد من وجوده لصحة الصلاة لكنه ليس بداخل فيها حيث يسبق الصلاة كالوضوء. ولهذا لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط وإن كان يلزم من عدمه عدم المشروط.
والفرق بين الأبعاض والهيئات: كلاهما من السنن غير أن الأبعاض هي ما تجبر بالسجود والهيئات هي ما لا تحتاج إلى الجبر. شُبهت الصلاة بالإنسان: الركن كرأسه، والشرط كحياته، والبعض كعضوه، والهيئة كشعره.
الركن الأول: النية
وهي لغةً: القصد. وشرعًا: قصد الشيء مقترنًا بفعله. ومحلها القلب والتلفظ بها غير مشروع فلا يكفي النطق باللسان مع غفلة القلب. وشرط النية الجزم بالمنوي وأن تقارن تكبيرة الإحرام.
فإن أراد أن يصلي فرضًا وجب قصد فعلها لتتميز عن سائر الأفعال، وتعيينها لتتميز عن سائر الصلوات، ونية الفرضية لتتميز عن النفل. ولا تجب في صلاة الصبي لأن صلاته تقع نفلاً.
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] قال الماوردي: والإخلاص هو النية.
«إنما الأعمال بالنيات»
وأجمعت الأمة على اعتبار النية في الصلاة.
الركن الثاني: القيام مع القدرة
أو ما يقوم مقامه عند العجز كالقعود والاضطجاع. ويشترط في القيام الانتصاب، ولو قدر على القيام دون الركوع والسجود لعلة بظهره لزمه. ولو احتاج في القيام إلى شيء يعتمد عليه لزمه.
وليس المراد بالعجز عدم الإمكان بل خوف الهلاك أو زيادة المرض أو خوف مشقة شديدة أو خوف الغرق ودوران الرأس في حق راكب السفينة ونحوها. وقال الشافعي: هو أن لا يطبق القيام إلا بمشقة غير محتملة.
والاضطجاع يكون على جنبه الأيمن ويجب أن يستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقيًا على ظهره ووجهه إلى القبلة ويومئ بالركوع والسجود إلى القبلة إن عجز عن الإتيان بهما ويكون سجوده أخفض من ركوعه.
فإن عجز عن ذلك أومأ بطرفه لأنه حد الطاقة. فإن عجز عن ذلك أجرى أفعال الصلاة على قلبه. ثم إن قدر في هذه الحالة على النطق بالتكبير والقراءة والتشهد والسلام أتى بها وإلا أجراه على قلبه. ولا يترك الصلاة ما دام عقله ثابتًا، وإذا صلى في هذه الحالة لا إعادة عليه.
عن عمران بن حصين رضي الله عنه: كانت به بواسير فسألت رسول الله ﷺ فقال: «صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب» رواه البخاري. زاد النسائي: «فإن لم تستطع فمستلقيًا على ظهرك لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها»
«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99] ومن أهم العبادة الصلاة فيجب الإتيان بها حتى يدركه الموت طالما كان فيه عقله ووعيه.
واعلم أن المصلوب يلزمه أن يصلي — نص عليه الشافعي.
الركن الثالث: تكبيرة الإحرام
صيغة التكبير: الله أكبر، لأنه لم يكن ﷺ يستفتح الصلاة إلا بها.
«مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح
وقال ﷺ في حديث المسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة وكبِّر»
«وكان ﷺ إذا استفتح الصلاة استقبل القبلة ورفع يديه وقال: الله أكبر» رواه ابن ماجه وابن حبان وصححه
هذه الصيغة للقادر على النطق بالعربية. أما العاجز فإن كان لا يقدر على التعلم أتى بالترجمة، وإن كان يقدر فيجب عليه ذلك وإن كلفه السفر إلى موضع يتعلم فيه لأن السفر وسيلة إلى واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الركن الرابع: قراءة الفاتحة
تتعين قراءة الفاتحة في حال القيام وما يقوم مقامه، ويستوي في قراءتها الإمام والمأموم والمنفرد في السرية والجهرية. ولا يجوز ترجمتها عند العجز للإعجاز، وتجب قراءتها بجميع حروفها وتشديداتها. فلو أسقط حرفًا أو خفف مشددًا أو أبدل حرفًا بحرف لم تصح قراءته ولا صلاته. ولو لحن لحناً يغير المعنى كضم تاء (أنعمت) أو كسرها أو كسر كاف (إياك) لم تجزئه وتبطل صلاته إن تعمد وتجب إعادة القراءة إن لم يتعمد.
«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه
«لا تجزي صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب» رواه الدارقطني بإسناد صحيح ومثله المرأة
وفي حديث المسيء صلاته: «فكبِّر ثم اقرأ بأم الكتاب»
«من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج غير تمام. قيل له: إنما نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأها في نفسك» رواه مسلم عن أبي هريرة
البسملة آية من الفاتحة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية كاملة من أول الفاتحة.
«عدَّ الفاتحة سبع آيات وعدَّ البسملة آية منها» ذكره البخاري في تاريخه
«إذا قرأتم الحمد فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها» رواه الدارقطني وقال: رجاله كلهم ثقات
عن أم سلمة رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ عدَّ البسملة آية من الفاتحة» رواه ابن خزيمة في صحيحه
اتفقر قراء الكوفة وفقهاء المدينة على أنها آية منها. وأما حديث عائشة في صحيح مسلم: «كان يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين» فالمراد قراءة السورة الملقبة بالحمد لله رب العالمين، جمعًا بين الأدلة.
من لم يحسن الفاتحة: إن كان يحفظها لزمه قراءتها. وإن لم يحسنها حفظًا لزمه تعلمها أو قراءتها من مصحف. فإن عجز قرأ سبع آيات من القرآن لقوله ﷺ: «فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وهلِّله وكبِّره» قال النووي: حديث حسن. واشترط سبع آيات لأنها بدل عن الفاتحة.
فإن عجز عن القراءة أتى بذكر للحديث، لما رواه ابن حبان في صحيحه أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن فعلمني ما يجزيني من القرآن، فقال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
الركن الخامس: الركوع
ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. وأقل الركوع أن ينحني القادر المعتدل الخلقة حتى تبلغ راحتاه ركبتيه، فإن عجز أومأ بطرفه.
وأكمل الركوع: أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه ويمدهما كالصحيفة وينصب ساقيه ويأخذ ركبتيه بكفيه ويفرق أصابعه ويوجهها نحو القبلة.
أما القاعد: فأقل ركوعه أن ينحني قدر ما يحاذي وجهه أمام ركبتيه من الأرض، وأكمله أن ينحني بحيث تحاذي جبهته موضع سجوده.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَرْكَعُوا وَأَسْجُدُوا﴾ [الحج: 77]
وقال ﷺ للمسيء صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعًا»
الركن السادس: الطمأنينة في الركوع
وأقل الطمأنينة أن يصبر حتى تستقر أعضاؤه في هيئة الركوع وينفصل هويه عن رفعه، فلو وصل إلى حد الركوع ثم ارتفع والحركات متصلة لم تحصل الطمأنينة، لأن حقيقة الطمأنينة سكون بعد حركة بمقدار: سبحان ربي العظيم.
الركن السابع: الاعتدال من الركوع
الاعتدال الواجب أن يعود بعد ركوعه إلى الهيئة التي كان عليها قبل الركوع، ويجب أن لا يقصد برفعه غير الاعتدال فلو رأى في ركوعه حية مثلاً فرفع فرعًا منها لم يعتد به.
قال ﷺ للمسيء صلاته: «ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا»
الركن الثامن: الطمأنينة في الاعتدال
ويجب أن تستقر أعضاؤه على ما كان عليه قبل ركوعه — لحديث المسيء صلاته.
الركن التاسع: السجود
وأقل السجود أن يضع على الأرض من الجبهة ما يقع عليه اسم السجود ولا بد من تحامل حتى تستقر جبهته بحيث لو كان تحتها قطن لانكبس وظهر أثره.
فلو سجد على جبينه أو أنفه أو عمامته أو على كمه لم يكف. وفي صحيح مسلم: «شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فلم يشفنا» زاد البيهقي: «في جباهنا وأكفنا» وإسناده صحيح.
وضع الأعضاء السبعة: الصحيح وجوبه لقوله ﷺ: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين» متفق عليه. والعبرة بوضع باطن الكفين وبطون أصابع القدمين، ويكفي وضع جزء منها.
ويشترط في السجود أن ترتفع أسافله على أعاليه لقوله في البراء بن عازب رضي الله عنه رفع عجيزته وقال: «هكذا كان رسول الله ﷺ يسجد» رواه أبو داود والنسائي وابن حبان وصححه.
ولو كان على جبهته جراحة وعصبها وسجد على العصابة أجزأه لأنه إذا سقطت الإعادة مع الإيماء بالسجود فهذا أولى. ولو عجز عن السجود أومأ برأسه، فإن عجز فبطرفه، لقوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
﴿أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77]
وقال ﷺ للمسيء صلاته: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا»
«إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرًا» رواه ابن حبان في صحيحه
الركن العاشر: الطمأنينة في السجود
لحديث المسيء صلاته. وقد تقدم بيان أحكام السجود.
الركن الحادي عشر: الجلوس بين السجدتين
قال ﷺ للمسيء صلاته: «ثم ارفع حتى تعتدل جالسًا» وفي رواية: «حتى تطمئن جالسًا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» متفق عليه
«كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه لم يسجد حتى يستوي جالسًا» في الصحيحين
الركن الثاني عشر: الطمأنينة في الجلوس بين السجدتين
لحديث المسيء صلاته المتقدم.
الركن الثالث عشر: الجلوس الأخير
إذا ثبت وجوب التشهد وجب القعود له.
الركن الرابع عشر: التشهد الأخير
والمراد بالتشهد: التحيات. فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله، السلام على فلان. فقال رسول الله ﷺ: «قولوا التحيات لله...» رواه الدارقطني والبيهقي بسند صحيح. فقوله «قبل أن يفرض» وقوله «قولوا» ظاهران في الوجوب. وفي الصحيحين الأمر بالتشهد.
رواية ابن مسعود: «التحيات لله والصلوات والطيبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله».
رواية ابن عباس: «التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علونا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» رواه الشافعي ومسلم وأبو داود والنسائي.
قال الشافعي: رُويت أحاديث في التشهد مختلفة وكان هذا أحب إلي لأنه أكملها. وقال الحافظ: سئل الشافعي عن اختياره تشهد ابن عباس فقال: لما رأيته واسعًا وسمعته عن ابن عباس صحيحًا كان عندي أجمع وأكثر لفظًا من غيره وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح.
وأكمل التشهد أن يزيد على ما ذكر الصلاة الإبراهيمية: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد».
ومن عجز عن التشهد ترجمه.
الركن الخامس عشر: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير
سُئل النبي ﷺ: كيف نُصلي عليك إذا صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد» متفق عليه
الركن السادس عشر: التسليمة الأولى
لقوله ﷺ: «وتحليلها التسليم». وأقل التسليم: السلام عليكم. قال النووي: قد صحت الأحاديث بأنه كان يقول «والسلام عليكم». وكان أكثر ما يقول: «السلام عليكم ورحمة الله».
الركن السابع عشر: ترتيب الأركان
للاتباع مع خبر: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقد صلى النبي ﷺ مرتبًا. أما نية الخروج من الصلاة فالصحيح أنها لا تجب.
٧فضل الفاتحة على غيرها
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: كنت أصلي فدعاني النبي ﷺ فلم أجبه ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي!! فقال: «ألم يقل الله: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم؟ ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ فلما أراد أن يخرج قلت: يا رسول الله إنك قلت ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن؟ فقال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني الذي أوتيته والقرآن العظيم» أخرجه البخاري وأبو داود
وعن أُبي بن كعب رضي الله عنه: قال رسول الله ﷺ: «لأرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلم — بتشديد اللام أي تتعلّم — سورة ما في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها: السبع المثاني فاتحة الكتاب» أخرجه الحاكم
٨سنن الصلاة قبل الدخول فيها (الأذان والإقامة)
معناهما الإعلام، وفي الشرع: ذكر مخصوص شرع للإعلام بصلاة مفروضة. وهما مشروعان بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: 58]
﴿وَإِذَا نُودِيَ لِلصَّلوةِ﴾ [الجمعة: 9]
«إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم» متفق عليه
ثم الصلاة المكتوبة إن كانت جماعة رجال يستحب الأذان لها. وأما المنفرد فقيل لا يؤذن لانتفاء الإعلام، والصحيح أنه يؤذن.
قال ﷺ لأبي سعيد الخدري: «إني أراك تحب البادية والغنم فإذا كنت في باديتك أو غنمك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» متفق عليه
آداب المؤذن
يستحب أن يؤذن ويقيم قائمًا مستقبلاً القبلة متطهرًا حسن الصوت وعلى مكان عالٍ أو على باب المسجد، وأن يلتفت يمينًا عند «حي على الصلاة» ويسارًا عند «حي على الفلاح»، وأن يرفع صوته بالنداء وإن كان منفردًا.
وشرط الأذان: الإسلام والتمييز والعقل والذكورة.
والأذان يتعلق بنظر المؤذن لا يحتاج إلى إذن الإمام، بخلاف الإقامة فإنها تتعلق بإذن الإمام.
سبب مشروعية الأذان والإقامة
عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليُضرب به للناس في الجمع للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى. قال: تقول:
«الله أكبر الله أكبر. الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله. حي على الصلاة حي على الصلاة. حي على الفلاح حي على الفلاح. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.»
ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول إذا أقيمت الصلاة:
«الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسول الله. حي على الصلاة حي على الفلاح. قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.»
فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت ليؤذن به فإنه أندى صوتًا منك». فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به فسمع بذلك عمر وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى. فقال النبي ﷺ: فلله الحمد. رواه أحمد
الترجيع والتثويب
يسن ترجيع الشهادتين: لما روى عن أبي محذورة: «أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة» رواه الخمسة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ويسن التثويب في أذان الصبح: وهو أن يقول بعد الحيعلتين: «الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم».
قال أبو محذورة: يا رسول الله علمني سنة الأذان فعلمه وقال: «فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله» رواه أحمد وأبو داود
ما يقوله السامع للأذان
يستحب لمن يسمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلتين فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
عن عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله. ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة» رواه مسلم
والسنة الوقوف عند كل تكبيرة بالسنين لقوله ﷺ: «إذا أذنت فتَرسَّل» أي ارفق في الأذان. وقال لبلال: «إذا أذنت فترسَّل في أذانك وإذا أقمت فاحدُر» رواه الترمذي — فاحدُر: بضم الدال وكسرها أي أسرع.
ويستحب أن يقول عند كلمة التثويب: «صدقت وبررت، صدقت وبررت».
ويستحب أن يصلي على النبي ﷺ عقب الأذان ثم يسأل الله له الوسيلة:
قال ﷺ: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي» رواه مسلم
وعن جابر: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» رواه البخاري
الدعاء بين الأذان والإقامة
«لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وزاد: قالوا فما نقول يا رسول الله؟ قال: «سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة»
ما يقوله السامع للإقامة
يستحب لمن يسمع الإقامة أن يقول مثل ما يقول المقيم إلا عند قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله لا حول ولا قوة إلا بالله. وعند قوله: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة يقول: أقامها الله وأدامها.
لما سمع النبي ﷺ بلالاً يقول: قد قامت الصلاة، قال: «أقامها الله وأدامها»
٩سنن الصلاة بعد الدخول فيها
الأول: التشهد الأول (وهو بعض لا ركن)
لما رواه عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس (أي جلوس التشهد الأول) فلما أتم صلاته سجد سجدتين متفق عليه. ولو كان التشهد الأول واجبًا لرجع إليه ولم يتركه فدل على سنيته.
وكيف قعد للتشهد جاز ولكن الافتراش أفضل وهو أن يجلس على كعب يسراه وينصب يمناه ويضع أطراف أصابعه اليمنى للقبلة.
الثاني: القنوت في الصبح وفي الوتر في النصف الأخير من رمضان
أما في الصبح: فلما رواه أنس رضي الله عنه: «وما زال رسول الله ﷺ يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا» رواه الإمام أحمد وغيره. وقال ابن الصلاح: قد حكم بصحته غير واحد من الحفاظ منهم الحاكم والبيهقي والبلخي. وقال البيهقي: العمل بمقتضاه.
وكون القنوت في الركعة الثانية فلما رواه البخاري في صحيحه. وكونه بعد رفع الرأس من الركوع فلما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ في قصة قتلى بئر معونة قنت بعد الركوع فقسنا عليه قنوت الصبح. نعم في الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ كان يقنت قبل الرفع من الركوع، قال البيهقي: لكن رواة القنوت بعد الرفع أكثر وأحفظ فهو أولى.
ولفظ القنوت يتأدى بدعاء وثناء فلو قنت بآية تتضمن دعاء وثناء وقصد القنوت كفى، ولكن القنوت بالوارد أفضل، ومنه:
«اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بإسناد صحيح.
وزاد العلماء: «ولا يعز من عاديت» قبل «تباركت ربنا وتعاليت». وجاءت في رواية البيهقي: «وبعد فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك».
ويقنت الإمام بلفظ الجمع ويكره تخصيص نفسه بالدعاء لقوله ﷺ: «لا يَؤُمَّنَّ عبدٌ قومًا فيخُص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم» رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
والسنة أن يرفع يديه ولا يمسح وجهه لأنه لم يثبت قاله البيهقي، ولا يستحب مسح الصدر بلا خلاف بل نص جماعة على كراهته.
أما القنوت في الوتر في النصف الثاني من رمضان فقد رواه الترمذي عن علي رضي الله عنه، وأبو داود عن أُبي بن كعب رضي الله عنه.
بئر معونة: اسم موضع من بلاد هذيل كانت الوقعة بالقرب منه وسميت به.
١٠هيآت الصلاة
وهيآت الصلاة خمس عشرة هيئة. والمراد بها هنا التي لا تجبر بالسجود فليس تركها موجبًا لسجود السهو:
الهيئة الأولى: رفع اليدين
عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه وعند القيام من التشهد الأول. يرفع كفيه للقبلة مكشوفتين منشورتي الأصابع مفرقة وسطًا مقابل منكبيه بأن تحاذي أطراف أصابعهما أعلى أذنيه وراحتاه منكبيه، وسواء في ذلك من صلى قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، وسواء الفرض والنفل والرجل والمرأة والإمام والمأموم.
عن ابن عمر: «كان ﷺ يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة» متفق عليه
«كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم يكبر فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد» متفق عليه والبيهقي
عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا قام من الركعتين رفع يديه ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ رواه البخاري وأبو داود والنسائي
الهيئة الثانية: وضع اليمين على الشمال
وضع اليدين تحت السرة وفوقها متساويان لأن كلا منهما مروي عن أصحاب رسول الله ﷺ.
عن قبيصة بن هلب عن أبيه: «كان رسول الله ﷺ يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه» رواه الترمذي
«من أخلاق النبيين وضع اليمين على الشمال في الصلاة» رواه الشيخان والنسائي والحاكم
عن علي: «السنة وضع الكف في الصلاة تحت السرة» — أخرجه أبو داود وأحمد وابن أبي شيبة
وقال الترمذي: رأى بعضهم أن يضعهما فوق السرة ورأى بعضهم أن يضعهما تحت السرة وكل ذلك واسع عندهم.
وعن وائل بن حجر: «صليت مع النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره» — رواه ابن خزيمة وأبو داود والنسائي بلفظ: «ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد». والرسغ: المفصل بين الساعد والكف.
الهيئة الثالثة: دعاء الاستفتاح (التوجه)
وهو أن يقول المصلي بعد تكبيرة الإحرام: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين» رواه مسلم من رواية علي رضي الله عنه.
ومعنى «وجهت»: قصدت بعبادتي أو أقبلت بوجهي. و«حنيفًا»: مائلاً إلى الحق. و«النسك»: العبادة.
ولو ترك دعاء الاستفتاح والتعوذ لم يعد إليه سواء تعمد أو نسى لفوات محله.
وورد أيضًا: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد» متفق عليه وأصحاب السنن إلا الترمذي.
وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول بعد تكبيرة الإحرام: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» رواه مسلم والدارقطني.
الهيئة الرابعة: التعوذ
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]
عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال: «الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلاً. ثلاثًا. اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» رواه ابن حبان في صحيحه
وهمزه: الجنون. ونفخه: الكبر. ونفثه: الشعر.
قال الشافعي: وتحصل الاستعاذة بكل لفظ يشتمل عليها والأحب: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وقال ابن المنذر: جاء عن النبي ﷺ أنه كان يقول قبل القراءة «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
ويستحب التعوذ لكل ركعة لوقوع الفصل بين القراءتين بالركوع وغيره، وقيل يختص بالركعة الأولى.
الهيئة الخامسة: الجهر في موضعه والإسرار في موضعه
يجهر الإمام بالقراءة في الصبح والجمعة والعيدين والتراويح ووتر رمضان والأوليين من المغرب والعشاء بالإجماع. ويجهر المنفرد أيضًا لأنه غير مأمور بالإنصات فأشبه الإمام. أما المأموم فإنه يسر في الصلاة الجهرية والسرية لأنه مأمور بالإنصات.
ويسن الجهر بالبسملة فيما يجهر فيه لأنه صح من رواية علي وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم أن رسول الله ﷺ «كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الحاضرة».
وإذا صلى فائتة: فإن قضى فائتة الليل بالليل جهر، وإن قضى فائتة النهار بالنهار أسر. أما إذا قضى فائتة النهار بالليل أو بالعكس فالأصح أن الاعتبار بوقت القضاء فيسر في العشاء نهارًا ويجهر في الظهر ليلاً.
الهيئة السادسة: التأمين
قال ﷺ: «إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا آمين فإن من وافق قوله قول الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه
«كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال: آمين» رواه الدارقطني بإسناد حسن وصححه ابن حبان والحاكم
ويجهر الإمام والمنفرد بها في الجهرية. وكذلك يجهر المأموم. قال الشافعي في الأم: أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة — ابن الزبير ومن بعده — يقولون: آمين ومن خلفهم يقولون: آمين حتى إن للمسجد لَجة — كثرة أصوات — وذكر البخاري ذلك عن ابن الزبير تعليقًا.
الهيئة السابعة: قراءة السورة بعد الفاتحة
في الصبح والجمعة وفي الأوليين من سائر الصلوات ما عدا صلاة الجنازة فلا يقرأ فيها بعد الفاتحة. وبأي شيء قرأ من القرآن كفى — سورة أو بعض سورة.
«كان ﷺ يقرأ في الظهر في الأوليين بأم القرآن وسورتين وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب ويُسمعنا الآية أحيانًا ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية وهكذا في العصر وهكذا في الصبح» متفق عليه
وعن عبد الله بن السائب: قرأ النبي ﷺ المؤمنون في الصبح حتى إذا ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع رواه أبو داود والدارقطني بإسناد قوي
قال الرافعي: لكن السورة الكاملة وإن قصرت أحب من بعض السورة وإن طالت. قال النووي: إن ذلك عند التساوي، أما بعض السورة الطويلة إذا كان أطول من السورة القصيرة فهو أولى.
وكان ﷺ لا يطيل الركعة الأولى على الثانية من صلاة الصبح ومن كل صلاة، وإطالته في الصبح أكثر لأن «قرآن الفجر كان مشهودًا» يشهده الله وملائكته أو تشهده ملائكة الليل والنهار، ولأنه لما نقص عدد ركعاتها جعل تطويلها عوضًا، ولأنها تكون عقب النوم والناس مستريحون، وأيضًا فإنها أساس العمل وأوله فأعطيت فضلاً من الاهتمام بها.
ولذا كان يقرأ في الصبح بنحو ستين آية إلى مائة آية، وصلاها بسورة «ق»، وبالروم، وبـ«إذا الشمس كورت»، وبالمعوذتين وكان في السفر، وكان إذا سمع صوت الصبي خفف رحمة به وبأمه.
وكان يصليها يوم الجمعة بـ«الم * تنزيل السجدة» وسورة «هل أتى على الإنسان» كاملتين ولم يرد عنه أنه اقتصر على بعضها كما يفعله كثير من الناس اليوم فإنه مخالف لهديه ﷺ.
والحكمة في قراءة السورتين كاملتين لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد وخلق آدم ودخول الجنة والنار وغير ذلك تذكيرًا للأمة بحوادث القيامة للعبرة والعظة.
أما الظهر: فكان يطيلها أحيانًا ويتوسط أحيانًا أخرى. وكان يقرأ فيها تارة بـ«سبح اسم ربك الأعلى» و«الليل إذا يغشى» وتارة بـ«السماء ذات البروج» و«السماء والطارق».
أما العصر: فعلى النصف من قراءة صلاة الظهر إذا طالت وبقدرها إذا قصرت.
أما المغرب: فكان هديه أنه يطول تارة ولا يطول أخرى، فقد ثبت أنه صلاها بالأعراف في الركعتين، ومرة بالطور، ومرة بالمرسلات، ومرة بـ«سبح اسم ربك الأعلى»، وقرأ فيها بـ«التين والزيتون» وبالمعوذتين وكلها آثار صحاح مشهورة.
أما العشاء: فقرأ فيها بـ«التين والزيتون» ووقت لمعاذ فيها بـ«والشمس وضحاها» و«سبح اسم ربك الأعلى» و«الليل إذا يغشى» ونحوها، وأنكر قراءته فيها بالبقرة بعد ما صلى معه ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف فأعادها لهم بعد ما مضى من الليل ما شاء الله ولهذا قال: «أفتان أنت يا معاذ!»
أما الجمعة: فكان يقرأ فيها بسورة «الجمعة والمنافقين» أو «الجمعة والغاشية» كاملتين، أو سورتي «سبح والغاشية». وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين فلم يفعله ﷺ قط وهو مخالف لهديه.
أما القراءة في الأعياد: فتارة يقرأ سورة «ق» و«اقتربت الساعة» كاملتين وتارة سورة «سبح والغاشية» وهذا هو الهدي الذي استمر عليه إلى أن لقي الله تعالى وبهذا أخذ خلفاؤه الراشدون والأئمة الأعلام رضي الله عنهم أجمعين.
وكان ﷺ لا يعين سورة في الصلاة بعينها إلا في الجمعة والعيدين وصبح يوم الجمعة.
روى أبو داود في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في الصلاة المكتوبة». ولم يثبت عنه أنه جمع بين سورتين في الركعة إلا في النفل. أما الفرض فلم يحفظ عنه ذلك.
الهيئة الثامنة والتاسعة: التكبير عند الخفض والرفع، وقول سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد
عن أبي هريرة رضي الله عنه: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ويكبر حين يركع ثم يقول: سمع الله لمن حمده. يرفع صلبه من الركوع ويقول وهو قائم: ربنا لك الحمد. ثم يكبر حين يهوي للسجود ثم يكبر حين يرفع رأسه يفعل ذلك في صلاته كلها وكان يكبر حين يقوم من الركعتين بعد الجلوس» متفق عليه
الهيئة العاشرة: التسبيح في الركوع والسجود
لما نزل ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: 52] قال ﷺ: «اجعلوها في ركوعكم»
ولما نزل ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] قال ﷺ: «اجعلوها في سجودكم» رواهما مسلم من حديث حذيفة
ويستحب أن يقول ذلك ثلاثًا لقوله ﷺ: «إذا ركعت فقل في ركوعك: سبحان ربي العظيم ثلاثًا وذلك أدناه، وإذا سجدت فقل في سجودك: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه» أي أدنى الكمال، وأكمله من تسع تسبيحات إلى إحدى عشرة تسبيحة.
قال الماوردي: هذا إذا كان إمامًا. أما المنفرد فله أن يطيل من الذكر والدعاء ما شاء لقوله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء» حديث صحيح. وكذا الإمام إذا كان المؤتمون راضين بالتطويل.
وكان ﷺ يكثر في سجوده وركوعه من الدعوات والأذكار:
عن عائشة: «كان ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» متفق عليه وأحمد وغيرهم
وكان ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» — سبوح قدوس: أنت منزه ومطهر عن كل ما لا يليق بجلالك
عن علي: أن النبي ﷺ كان يقول إذا ركع: «اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، أنت ربي خشع سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقلت به قدمي لله رب العالمين» رواه أحمد ومسلم وأبو داود
وعن علي أنه كان يقول إذا سجد: «اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه فصوره فأحسن صوره وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين» رواه مسلم
الهيئة الحادية عشرة: وضع اليدين على الفخذين في الجلوس
يبسط اليسرى ويقبض من اليمنى الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام ويرسل الوسطى. ويسن أن يرفع السبابة عند «إلا الله» لأنها إشارة إلى التوحيد فيجمع في ذلك بين القول والفعل، ويستحب أن يميلها قليلاً عند رفعها.
«كان رسول الله ﷺ إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته» رواه أحمد ومسلم والنسائي
الهيئة الثانية عشرة: الافتراش والتورك
يسن في جميع جلسات الصلاة الافتراش وهو: الجلوس على كعب اليسرى بعد فرشها وينصب رجله اليمنى ويجعل أطراف أصابعها للقبلة.
وفي الجلوس الأخير التورك وهو: الإفضاء بوركه إلى الأرض ويجعل يسراه من جهة يمناه. وهذه الكيفية ثبتت في الصحيحين.
«فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعديه» رواه البخاري
الهيئة الثالثة عشرة: الدعاء بين السجدتين
«كان ﷺ يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي» رواه النسائي وابن ماجه
وعن ابن عباس: «كان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني» رواه أبو داود. وفي رواية الترمذي: «واجبرني» بدل عافني.
الهيئة الرابعة عشرة: جلسة الاستراحة
وهي جلسة خفيفة بعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الأولى وبعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الثالثة، لثبوت ذلك من فعله ﷺ وهي إحدى الروايتين عن أحمد.
الهيئة الخامسة عشرة: الدعاء بعد التشهد الأخير
عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ علمهم التشهد ثم قال في آخره: «ثم ليختر من المسألة ما شاء» رواه مسلم
وعن علي رضي الله عنه: «كان رسول الله ﷺ يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت» رواه مسلم
وعن أبي بكر: قلت يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: «قل: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال» رواه مسلم
المسيح الدجال: قال ابن فارس: المسيح الذي مسح أحد شقي وجهه ولا عين له ولا حاجب، وسمي الدجال مسيحًا لأنه كذلك.
الهيئة السادسة عشرة: التسليمة الثانية
لأنه ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره.
عن ابن مسعود رضي الله عنه: «كان ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره» رواه مسلم
١١السنن التابعة للفرائض (الرواتب)
والسنن التابعة للفرائض تسع عشرة ركعة: ركعتا الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعده، وأربع قبل العصر، وركعتان قبل المغرب، وركعتان بعده، وثلاث بعد العشاء يوتر بواحدة منهن.
والمؤكد منها عشر ركعات وهي الراتبة التي واظب عليها النبي ﷺ: ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.
قال ابن عمر: «صليت مع النبي ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء» متفق عليه
وحدثتني حفصة أن النبي ﷺ «كان يصلي ركعتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر» متفق عليه
وعن عائشة: «كان ﷺ لا يدع أربعًا قبل الظهر» رواه البخاري
وعن علي: «كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن» رواه الترمذي وقال: حسن. وصححه ابن حبان
«صلوا قبل صلاة المغرب، صلوا قبل صلاة المغرب» قال في الثالثة: «لمن شاءه» رواه البخاري
«كانوا يبتدرون السواري بركعتي المغرب حتى إن الرجل ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صُلِّيت لكثرة من يصليهما» رواه مسلم
١٢المؤكد من النوافل
وثلاث نوافل مؤكدات: صلاة الليل، وصلاة الضحى، وصلاة التراويح.
أولاً: صلاة الليل (قيام الليل)
أجمعت الأئمة على استحبابه.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: 79]
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17] — أي ما ينامون
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16]
وكان قيام الليل واجبًا ثم نسخ.
«وعليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة لكم إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم» رواه الحاكم وقال: إنه على شرط البخاري
«من صلى في ليلة بمائة آية لم يُكتب من الغافلين، ومن صلى بمائتي آية فإنه يُكتب من القانتين المطيعين لله المخلصين» رواه الحاكم وقال: إنه على شرط مسلم
ووسط الليل أفضل لقوله ﷺ لما سُئل أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ فقال: «صلاة جوف الليل» ولأن العبادة فيه أثقل والغفلة فيه أكثر.
والنصف الأخير أفضل من الأول لقوله تعالى ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18] ولأنه وقت نزول الرب سبحانه وتعالى وهو نزول قدرة لا حلول ولا تجسيم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
ويكره قيام الليل كله لأنه مضر بالبدن كما جاء في الحديث.
وترك قيام الليل مكروه لمن اعتاده لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه» متفق عليه.
ثانيًا: صلاة الضحى
﴿وَيَسْجُدُونَ لِلَّهِ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: 18] قال ابن عباس: الإشراق صلاة الضحى.
عن أبي ذر: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» زاد البخاري: «لا أدعهن» في الصحيحين
«إن صليت الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله لك بيتًا في الجنة» رواه البيهقي وضعفه
أقل الضحى ركعتان وأكثرها اثنتا عشرة ركعة. قال النووي: أكثرها ثمان ركعات قاله الأكثرون ورواه الشيخان من حديث أم هانئ.
ووقتها: من حين ترتفع الشمس قدر رمح إلى الاستواء. قدر رمح يقدر بثمان وعشرين دقيقة بالحساب الفلكي أو نحو ذلك بقليل. وقت الاستواء هو ما قبل وقت الظهر بدرجة شمسية وهو أربع دقائق في الحساب الفلكي، بعدها تميل الشمس جهة الغرب فيجب وقت الظهر.
ثالثًا: صلاة التراويح
لا شك في سنيتها وانعقد الإجماع على ذلك قاله غير واحد.
«من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا — أي تصديقًا ويريد به وجه الله — غُفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه
عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ صلاها ليالي فصلوها معه ثم صلى في بيته بقية الشهر وقال: إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» متفق عليه
واستمر على ذلك وكذلك أبو بكر رضي الله عنه وصدرًا من خلافة عمر، ثم رأى الناس يصلونها في المسجد فرادى واثنين اثنين وثلاثة ثلاثة فجمعهم على أُبي بن كعب رضي الله عنه ووضع لهم عشرين ركعة وأجمع الصحابة معه على ذلك. وإنما فعل ذلك عمر لأمنه الافتراض.
والتراويح سنة للرجال والنساء: فعن عرفجة قال: كان علي يأمر بقيام رمضان ويجعل للرجل إمامًا وللنساء إمامًا فكنت أنا إمام النساء.
وتؤدى بعد صلاة العشاء وقبل الوتر ركعتين ركعتين ويمتد وقتها إلى آخر الليل.
والأفضل أن تصلى ثمان ركعات اقتداء برسول الله ﷺ.
روى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن جابر أنه ﷺ «صلى بهم ثماني ركعات والوتر ثم انتظروه في القابلة فلم يخرج إليهم»
روى أبو يعلي والطبراني بسند حسن: «جاء أُبي بن كعب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه كان مني الليلة شيء. قال: وما ذاك يا أُبي؟ قال: نسوة في داري قلن: إنا لا نقرأ القرآن فنصلي بصلاتك. فصليت بهن ثمان ركعات وأوترت. فكانت سنة الرضا ولم يقل شيئًا»
فدل ذلك على مشروعية الثماني ركعات فعلاً وتقريرًا.
عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» رواه الجماعة
أما القراءة فيها: فلم يرد فيها تحديد والمطلوب الاعتدال في القراءة فلا يقرأ بما يشق على المصلين وخصوصًا في الليالي القصيرة إلا إذا رضوا بالتطويل فإنه يطول.
قال أبو ذر: قمنا مع النبي ﷺ حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح يعني السحور. والأفضل أن لا ينقص في ختمة في الشهر ليسمع الناس جميع القرآن ولا يزيد عن ختمة خشية المشقة على المصلين.
١٣ما يقال عقب الصلوات
أولاً: الذكر بعد السلام مباشرة
يسن للمصلي إذا فرغ من صلاته أن يمسح على جبهته ثم يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن». أو يمسح على رأسه ثم يقول: «لا إله إلا الله الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن».
وهذا وإن كان ثبت من طريق ضعيف لكن يعمل بالضعيف في فضائل الأعمال كما قرره أهل العلم.
ثانيًا: الاستغفار
ثم يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله — ثلاث مرات.
١٤البكاء على الميت
الْصُّق هُنا نَصَّ بابِ البُكاءِ عَلى المَيِّت مِنَ الكِتابِ نَسخًا مِنَ الملفِّ الأصليِّ، ثُمَّ أَرسِلْهُ لِي وأُنَسِّقُهُ لَكَ مِثلَ بقيَّةِ الأبوابِ.
تنبيه: هذا القسم فارغ لأن نص "البكاء على الميت" لم يرد في النص المرسل. يرجى نسخ النص من الكتاب وإرساله وسأضيفه هنا بالتنسيق نفسه.
صندوق التعليقات
إرسال تعليق