بحث
مساعد الحج الذكي
مرحباً بك! أسألني عن مناسك الحج، السيرة النبوية، أو أي استفسار ديني.
كيف أحرم للحج؟
أعمال يوم عرفة
دعاء الطواف
قصة الهجرة
تذكير تلقائي
صلى الله عليه وسلم
فضل الصلاة على النبي

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ"

في ظلال النبوة والرسالة

📖 أدوات القارئ الذكية
✍️ النص:
👁️ الرؤية:
⚡ تفاعل:

تنقسم حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن شرفه الله بالنبوة والرسالة إلى عهدين يمتاز أحدهما عن الآخر تمام الامتياز، وهما:

  • العهد المكي: ثلاث عشرة سنة تقريبًا.
  • العهد المدني: عشر سنوات كاملة.

ثم يشتمل كل من العهدين على عدة مراحل، لكل مرحلة منها خصائص تمتاز بها عن غيرها، يظهر ذلك جليًا بعد النظر الدقيق في الظروف التي مرت بها الدعوة خلال العهدين.

تقسيم العهد المكي إلى ثلاث مراحل:

  • مرحلة الدعوة السرية: ثلاث سنوات.
  • مرحلة إعلان الدعوة في أهل مكة: من بداية السنة الرابعة من النبوة إلى هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
  • مرحلة الدعوة خارج مكة وفشوها فيهم: من أواخر السنة العاشرة من النبوة، وقد شملت العهد المدني وامتدت إلى آخر حياته صلى الله عليه وسلم.

أما مراحل العهد المدني فسيجيء تفصيلها في موضعه.


في ظلال النبوة والرسالة

أولًا: في غار حراء

لما تقاربت سنه صلى الله عليه وسلم الأربعين، وكانت تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، حُبِّب إليه الخلاء، فكان يأخذ السَّوِيق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة ـ وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع الحديد ـ فيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة مبدعة.

وكان غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه.

حكمة العزلة: وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، وليكون انقطاعه عن شواغل الأرض وضَجَّة الحياة وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة نقطة تحول لاستعداده لما ينتظره من الأمر العظيم، فيستعد لحمل الأمانة الكبرى وتغيير وجه الأرض وتعديل خط التاريخ.

دبَّر الله له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرًا من الزمان مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله.


ثانيًا: جبريل ينزل بالوحي أول مرة

ولما تكامل له أربعون سنة ـ وهي رأس الكمال، وقيل: ولها تبعث الرسل ـ بدأت طلائع النبوة تلوح وتلمع، فمن ذلك أن حجرًا بمكة كان يسلم عليه، ومنها أنه كان يرى الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، حتى مضت على ذلك ستة أشهر ـ ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ـ فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته صلى الله عليه وسلم بحراء شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض، فأكرمه بالنبوة، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن.

تحديد يوم نزول الوحي: بعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن تحديد ذلك اليوم بأنه كان يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلًا، وقد وافق 10 أغسطس سنة 610 م، وكان عمره صلى الله عليه وسلم إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية وستة أشهر و12 يومًا، وذلك نحو 39 سنة شمسية وثلاثة أشهر وعشرين يومًا.

رواية عائشة الصديقة رضي الله عنها لقصة الوحي الأول

قالت عائشة رضي الله عنها: أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيَتَحَنَّث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء.

فجاءه الملك فقال: «اقرأ»، قال: «ما أنا بقارئ»، قال: «فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثالثة ثم أرسلني فقال:»

{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ}
سورة العلق: 1 ـ 3

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: «زَمِّلوني، زملوني»، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: «ما لي؟ لقد خشيت على نفسي».

فقالت خديجة: «كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن عم خديجة ـ وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي ـ فقالت له خديجة: يا بن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا بن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى.

فقال له ورقة: «هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجيّ هم؟» قال: «نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِيَ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا». ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن توفي، وفَتَر الوحي.


ثالثًا: فَتْرَة الوحى

أما مدة فترة الوحى فاختلفوا فيها على عدة أقوال. والصحيح أنها كانت أيامًا، وقد روى ابن سعد عن ابن عباس ما يفيد ذلك. وأما ما اشتهر من أنها دامت ثلاث سنوات أو سنتين ونصفًا فليس بصحيح.

تحقيق دقيق للباحث في مدة الفترة: وقد ظهر للباحث شيء غريب بعد إدارة النظر في الروايات وفي أقوال أهل العلم ولم ير من تعرض له منهم، وهو أن هذه الأقوال والروايات تفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجاور بحراء شهرًا واحدًا وهو شهر رمضان من كل سنة وذلك من ثلاث سنوات قبل النبوة، وأن سنة النبوة كانت هي آخر تلك السنوات الثلاث، وأنه كان يتم جواره بتمام شهر رمضان، فكان ينزل بعده من حراء صباحًا ـ أي لأول يوم من شهر شوال ـ ويعود إلى البيت.

وقد ورد التنصيص في رواية الصحيحين على أن الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة إنما نزل وهو راجع إلى بيته بعد إتمام جواره بتمام الشهر. فهذا يفيد أن الوحى نزل في أول يوم من شهر شوال بعد نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيه بالنبوة والوحى؛ لأنه كان آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزول الوحى كان في ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان فإن هذا يعني أن فترة الوحى كانت لعشرة أيام فقط، وأن الوحى نزل بعدها صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من النبوة. ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر الأواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيد السعيد، والله أعلم.

حال النبي صلى الله عليه وسلم في أيام الفترة: وقد بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام الفترة كئيبًا محزونًا تعتريه الحيرة والدهشة. فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه:

فتر الوحي فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذِرْوَة جبل لكي يلقي نفسه منه تَبَدَّى له جبريل فقال: «يا محمد، إنك رسول الله حقًا»، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.


رابعًا: جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية

قال ابن حجر: كان ذلك ـ أي انقطاع الوحي أيامًا ـ ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلم وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود، فلما حصل له ذلك وأخذ يرتقب مجيء الوحى أكرمه الله بالوحي مرة ثانية.

قال صلى الله عليه وسلم: «جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري هبطت، فلما استبطنت الوادي نوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فَجُئِثْتُ منه رعبًا حتى هويت إلى الأرض، فأتيت خديجة فقلت: زملوني، زملوني، دثروني، وصبوا على ماء باردًا».

قال: «فدثروني وصبوا على ماء بارد، فنزلت:»

{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}
سورة المدثر: 1 ـ 5

وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ثم حمى الوحى بعد وتتابع.

ملاحظة مهمة: وهذه الآيات هي مبدأ رسالته صلى الله عليه وسلم، وهي متأخرة عن النبوة بمقدار فترة الوحى. وتشتمل على نوعين من التكليف مع بيان ما يترتب عليه.

النوع الأول: تكليفه بالبلاغ والتحذير

وذلك في قوله تعالى: {قُمْ فَأَنذِرْ}، فإن معناه: حذر الناس من عذاب الله إن لم يرجعوا عما هم فيه من الغي والضلال وعبادة غير الله المتعال، والإشراك به في الذات والصفات والحقوق والأفعال.

النوع الثاني: تكليفه بتطبيق أوامر الله على ذاته

والالتزام بها في نفسه ليحرز بذلك مرضاة الله ويصير أسوة حسنة لمن آمن بالله، وذلك في بقية الآيات:

  • {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}: معناه خصه بالتعظيم ولا تشرك به في ذلك أحدًا.
  • {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}: المقصود الظاهر منه تطهير الثياب والجسد، إذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين يديه أن يكون نجسًا مستقذرًا. وإذا كان هذا التطهر مطلوبًا فإن التطهر من أدران الشرك وأرجاس الأعمال والأخلاق أولى بالطلب.
  • {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}: معناه ابتعد عن أسباب سخط الله وعذابه وذلك بالتزام طاعته وترك معصيته.
  • {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}: أي لا تحسن إحسانًا تريد أجره من الناس أو تريد له جزاء أفضل في هذه الدنيا.
  • {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ}: تنبيه على ما يلحقه من أذى قومه حين يفارقهم في الدين ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده وتحذيرهم من عذابه وبطشه.

دلالات النداء العُلوي: ثم إن مطلع الآيات تضمنت النداء العُلوي ـ في صوت الكبير المتعال ـ بانتداب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ}، كأنه قيل: إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، أما أنت الذي تحمل هذا العبء الكبير فما لك والنوم؟ وما لك والراحة؟ وما لك والفراش الدافئ والعيش الهادئ والمتاع المريح؟

قم للأمر العظيم الذي ينتظرك والعبء الثقيل المهيأ لك، قم للجهد والنصب والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة، وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل والجهاد الطويل الشاق، قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد.

إنها كلمة عظيمة رهيبة تنزعه صلى الله عليه وسلم من دفء الفراش في البيت الهادئ والحضن الدافئ لتدفع به في الخضم بين الزعازع والأنواء وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء.

وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم: فظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا؛ لم يسترح ولم يسكن ولم يعش لنفسه ولا لأهله. قام وظل قائمًا على دعوة الله يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به، عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى. عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عامًا لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد منذ أن سمع النداء العُلوي الجليل وتلقى منه التكليف الرهيب... جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء.


خامسًا: أقسام الوحى ومراتبه

وقبل الدخول في موضوع هذا الجهاد أرى من الأحسن أن أستطرد إلى بيان أقسام الوحى ومراتبه. قال ابن القيم وهو يذكر تلك المراتب:

  • المرتبة الأولى: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه صلى الله عليه وسلم.
  • المرتبة الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه.
  • المرتبة الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل له الملك رجلًا فيخاطبه حتى يعيَ عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا.
  • المرتبة الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس وكان أشده عليه، فيلتبس به الملك حتى إن جبينه ليتفصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحى مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت ترضها.
  • المرتبة الخامسة: إنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم.
  • المرتبة السادسة: ما أوحاه الله إليه وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.
  • المرتبة السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك كما كلم الله موسى بن عمران، وهذه المرتبة ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن، وثبوتها لنبينا صلى الله عليه وسلم هو في حديث الإسراء.

وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة؛ وهي تكليم الله له كفاحًا من غير حجاب، وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف.


المرحلة الأولى: من جهاد الدعوة إلى الله

ثلاث سنوات من الدعوة السرية

قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول ما تقدم من آيات سورة المدثر بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ وحيث إن قومه كانوا جفاة لا دين لهم إلا عبادة الأصنام والأوثان، ولا حجة لهم إلا أنهم ألفوا آباءهم على ذلك، ولا أخلاق لهم إلا الأخذ بالعزة والأنفة، ولا سبيل لهم في حل المشاكل إلا السيف، وكانوا مع ذلك متصدرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب ومحتلين مركزها الرئيس ضامنين حفظ كيانها، فقد كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية؛ لئلا يفاجئ أهل مكة بما يهيجهم.


الرعيل الأول من المسلمين

وكان من الطبيعي أن يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام أولًا على ألصق الناس به من أهل بيته وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام ودعا إليه كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق والخير ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح. فأجابه من هؤلاء ـ الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم وجلالة نفسه وصدق خبره ـ جَمْعٌ عُرِفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين.

أول من أسلم في يوم الدعوة:

  • خديجة بنت خويلد ـ زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين
  • زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي ـ مولاه صلى الله عليه وسلم
  • علي بن أبي طالب ـ ابن عمه وكان صبيًا يعيش في كفالة الرسول صلى الله عليه وسلم
  • أبو بكر الصديق ـ صديقه الحميم

أسلم هؤلاء الأربعة في أول يوم الدعوة.

ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، وكان رجلًا مألفًا محببًا سهلًا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه.

من أسلموا بدعوة أبي بكر الصديق:

  • عثمان بن عفان الأموي
  • الزبير بن العوام الأسدي
  • عبد الرحمن بن عوف الزهري
  • سعد بن أبي وقاص الزهري
  • طلحة بن عبيد الله التيمي

فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام.

تلاحق السابقين من قريش

ثم تلا هؤلاء جَمْعٌ آخرون من قريش من بطون وأفخاذ شتى، وهم:

  • أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر
  • أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي وامرأته أم سلمة
  • الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي
  • عثمان بن مظعون الجمحي وأخواه قدامة وعبد الله
  • عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف
  • سعيد بن زيد العدوي وامرأته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب
  • خباب بن الأرت التميمي
  • جعفر بن أبي طالب وامرأته أسماء بنت عُمَيْس
  • خالد بن سعيد بن العاص الأموي وامرأته أمينة بنت خلف ثم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص
  • حاتم بن الحارث الجمحي وامرأته فاطمة بنت المُجَلِّل وأخوه الخطاب بن الحارث وامرأته فُكَيْهَة بنت يسار وأخوه معمر بن الحارث
  • المطلب بن أزهر الزهري وامرأته رملة بنت أبي عوف
  • نعيم بن عبد الله بن النحام العدوي

وهؤلاء كلهم قرشيون من بطون وأفخاذ شتى من قريش.

السابقون من غير قريش

من غير قريش:

  • عبد الله بن مسعود الهذلي
  • مسعود بن ربيعة القاري
  • عبد الله بن جحش الأسدي وأخوه أبو أحمد بن جحش
  • بلال بن رباح الحبشي
  • صُهَيْب بن سِنان الرومي
  • عمار بن ياسر العنسي وأبوه ياسر وأمه سمية
  • عامر بن فُهيرة

من النساء السابقات غير من تقدم ذكرهن: أم أيمن بركة الحبشية، وأم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب، وأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهن.

إحصاء السابقين: هؤلاء معروفون بالسابقين الأولين، ويظهر بعد التتبع والاستقراء أن عدد الموصوفين بالسبق إلى الإسلام وصل إلى مائة وثلاثين رجلًا وامرأة، ولكن لا يعرف بالضبط أنهم كلهم أسلموا قبل الجهر بالدعوة أو تأخر إسلام بعضهم إلى الجهر بها.


الصلاة في الدعوة السرية

ومن أوائل ما نزل من الأحكام الأمر بالصلاة. قال ابن حجر: كان صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء يصلي قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختلف هل فرض شيء قبل الصلوات الخمس من الصلوات أم لا؟ فقيل: إن الفرض كانت صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها.

روى الحارث بن أبي أسامة من طريق ابن لَهِيعَة موصولًا عن زيد بن حارثة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل فعلمه الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه، وقد رواه ابن ماجه بمعناه، وروى نحوه عن البراء بن عازب وابن عباس، وفي حديث ابن عباس: وكان ذلك من أول الفريضة.

وقد ذكر ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم. وقد رأى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم وعليًا يصليان مرة فكلمهما في ذلك، ولما عرف جلية الأمر أمرهما بالثبات.

محتوى الدعوة في المرحلة السرية: تلك هي العبادة التي أمر بها المؤمنون، ولا تعرف لهم عبادات وأوامر ونواهٍ أخرى غير ما يتعلق بالصلاة، وإنما كان الوحي يبين لهم جوانب شتى من التوحيد، ويرغبهم في تزكية النفوس، ويحثهم على مكارم الأخلاق، ويصف لهم الجنة والنار كأنهما رأي عين، ويعظهم بمواعظ بليغة تشرح الصدور وتغذي الأرواح وتحدو بهم إلى جو آخر غير الذي كان فيه المجتمع البشري آنذاك.

وهكذا مرت ثلاثة أعوام والدعوة لم تزل مقصورة على الأفراد، ولم يجهر بها النبي صلى الله عليه وسلم في المجامع والنوادي، إلا أنها عرفت لدى قريش وفشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس، وقد تنكر له بعضهم أحيانًا واعتدوا على بعض المؤمنين، إلا أنهم لم يهتموا به كثيرًا حيث لم يتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لدينهم ولم يتكلم في آلهتهم.


❓ أسئلة مقترحة للاختبار والمراجعة

1 كم استمر العهد المكي والعهد المدني؟ وكيف تقسم مراحل العهد المكي؟
2 ما حكمة اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للعزلة في غار حراء قبل البعثة؟ وكم سنة استمرت هذه العزلة؟
3 حدد التاريخ الدقيق لنزول أول الوحي باليوم والشهر والسنة الميلادية، مع ذكر عمر النبي صلى الله عليه وسلم آنذاك.
4 اروِ قصة نزول الوحي الأول من رواية عائشة الصديقة رضي الله عنها مع ذكر الآيات التي نزلت وأهم مواقف خديجة وورقة بن نوفل.
5 ما هي فترة الوحي التي أعقبت نزول سورة العلق؟ اذكر الرأي الراجح في مدتها مع الاستدلال.
6 ماذا نزلت سورة المدثر؟ وما الفرق بينها وبين سورة العلق من حيث كونها مبدأ النبوة أو مبدأ الرسالة؟
7 اشرح التكليفين اللذين اشتملت عليهما آيات سورة المدثر مع بيان معنى كل آية.
8 اذكر مراتب الوحي السبع كما ذكرها ابن القيم، مع التمييز بين أشدها على النبي صلى الله عليه وسلم وأيسرها.
9 من هم الرعيل الأول من المسلمين؟ اذكر أسماءهم الأربعة الذين أسلموا في أول يوم الدعوة، ثم اذكر من أسلم بدعوة أبي بكر الصديق.
10 ماذا كان محتوى الدعوة في المرحلة السرية؟ وما العبادة الوحيدة التي فُرضت في تلك الفترة؟ وكيف كان المسلمون يتخفون بصلاتهم؟
11 ما الحكمة من كون الدعوة سرية في أول ثلاث سنوات؟ وما موقف قريش من الإسلام في تلك الفترة؟
12 اذكر أسماء بعض السابقين من غير قريش ومن النساء، مع بيان ما يدل عليه تعدد أصول السابقين من حيث القبائل والأجناس.

المصدر: كتاب الرحيق المختوم ـ تأليف: صفي الرحمن المباركفوري
حياة النبوة والرسالة والدعوة ـ العهد المكي ـ المرحلة الأولى: من جهاد الدعوة إلى الله

صندوق التعليقات

إرسال تعليق