يروي لنا المؤرخ الكبير صفي الرحمن المباركفوري في هذا الفصل الحاسم من كتابه «الرحيق المختوم» كيف أن قريشًا لم تكتفِ بإخراج المسلمين من مكة ومصادرة أموالهم، بل أرادت أن تتابعهم في عقر دارهم بالمدينة. يكشف هذا الفصل عن المرحلة الانتقالية العسكرية التي مر بها المسلمون من حالة الدفاع السلبي إلى حالة الاستعداد القتالي، مرورًا بالإذن بالقتال ثم فرضه، ثم التنفيذ الفعلي عبر ثماني غزوات وسرايا شكّلت تمهيدًا حاسمًا لمعركة بدر الكبرى. إنه درس عميق في فن إدارة الصراع والتحول من الضعف إلى القوة.
📑 فهرس المقال
- استفزازات قريش واتصالهم بعبد الله بن أبي سلول
- إعلان عزيمة الصد عن المسجد الحرام — موقف سعد بن معاذ
- قريش تهدد المهاجرين — حراسة النبي ﷺ ونزول آية العصمة
- الإذن بالقتال — مراحل التشريع الخمس
- الغزوات والسيرايا قبل بدر — الثماني عمليات العسكرية
- فرض القتال وتحويل القبلة — التمهيد الأخير لبدر
- أسئلة مقترحة للاختبار والمراجعة
أولًا: استفزازات قريش واتصالهم بعبد الله بن أبي سلول
تقدم ما أدلى به كفار مكة من التنكيلات والويلات على المسلمين في مكة قبل الهجرة، ثم ما أتوا به من الجرائم التي استحقوا لأجلها المصادرة والقتال عند الهجرة. ثم إنهم لم يفيقوا من غيهم ولا امتنعوا عن عدوانهم بعدها، بل زادهم غيظًا أن فاتهم المسلمون ووجدوا مأمنًا ومقرًا بالمدينة.
⚠️ رسالة التهديد القرشية إلى عبد الله بن أبي
فكتبت قريش إلى عبد الله بن أبي سلول — وكان إذ ذاك مشركًا — بصفته رئيس الأنصار قبل الهجرة، فقد علموا أنهم كانوا قد اتفقوا عليه وكادوا يجعلونه ملكًا على أنفسهم لولا أن هاجر رسول الله ﷺ إليهم وآمنوا به. كتبوا إليه وإلى أصحابه المشركين يقولون لهم في كلمات باتة حاسمة:
وبمجرد بلوغ هذا الكتاب قام عبد الله بن أبي ليمتثل أوامر إخوانه المشركين من أهل مكة — وقد كان يحقد على النبي ﷺ لما يراه أنه استلبّه ملكه — يقول عبد الرحمن بن كعب:
فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله ﷺ. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال:
فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا. وبهذا أظهر النبي ﷺ حكمة بالغة في تفكيك التحالف المشرك دون أن يلجأ إلى القوة.
💡 تحليل موقف عبد الله بن أبي: امتنع عبد الله بن أبي بن سلول عن القتال إذ ذاك لما رأى خورًا أو رشداً في أصحابه، ولكن يبدو من تصرفاته أنه كان متواطئًا مع قريش، فكان لا يجد فرصة إلا وينتهزها لإيقاع الشر بين المسلمين والمشركين، وكان يضم معه اليهود ليعينوه على ذلك. ولكن تلك هي حكمة النبي ﷺ التي كانت تطفئ نار شرهم حينًا بعد حين.
ثانيًا: إعلان عزيمة الصد عن المسجد الحرام — موقف سعد بن معاذ الباسل
ثم إن سعد بن معاذ رضي الله عنه انطلق إلى مكة معتمرًا، فنزل على أمية بن خلف بمكة، فقال لأمية: «انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت». فخرج به قريبًا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل فقال: «يا أبا صفوان من هذا معك؟» فقال: «هذا سعد».
فقال له أبو جهل متوعدًا: «ألا أراك تطوف بمكة آمنًا وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم؟ أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا!».
⚔️ ردّ سعد بن معاذ الشجاع
فقال له سعد — ورفع صوته عليه بحضور أهل مكة:
هذا الرد الباسل من سعد بن معاذ يكشف عن مستوى الثقة العالي الذي وصل إليه المسلمون في المدينة، فقد أصبحوا يهددون قريشًا في أشق شيء لديها وهو طريق تجارتهم إلى الشام التي تقدر بربع مليون دينار ذهب سنويًا.
ثالثًا: قريش تهدد المهاجرين — حراسة النبي ﷺ ونزول آية العصمة
وكأن قريشًا كانت تعتزم على شر أشد من هذا، وتفكر في القيام بنفسها للقضاء على المسلمين وخاصة على النبي ﷺ. ولم يكن هذا مجرد وهم أو خيال، فقد تأكد لدى رسول الله ﷺ من مكائد قريش وإرادتها على الشر ما كان لأجله لا يبيت إلا ساهرًا أو في حرس من الصحابة.
📖 حراسة سعد بن أبي وقاص للنبي ﷺ (رواه الشيخان)
روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال:
قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال ﷺ: «من هذا؟» قال: «سعد بن أبي وقاص». فقال له رسول الله ﷺ: «ما جاء بك؟» فقال سعد: «وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه». فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام.
📜 نزول آية العصمة وانتهاء الحراسة
ولم تكن هذه الحراسة مختصة ببعض الليالي بل كان ذلك أمرًا مستمرًا. فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت:
كان رسول الله ﷺ يحرس ليلًا حتى نزلت:
[المائدة: 67]
فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة فقال:
🛡️ الخطر كان يحدق بالمسلمين كافة
ولم يكن الخطر مقتصرًا على رسول الله ﷺ بل كان يحدق بالمسلمين كافة. فقد روى أبي بن كعب رضي الله عنه قال:
رابعًا: الإذن بالقتال — مراحل التشريع العسكرية الخمس
في هذه الظروف الخطيرة التي كانت تهدد كيان المسلمين بالمدينة، وتنبئ عن قريش أنهم لا يفيقون عن غيهم ولا يمتنعون عن تمردهم بحال، أنزل الله تعالى الإذن بالقتال للمسلمين ولم يفرضه عليهم بعد، قال تعالى:
[الحج: 39]
[الحج: 41]
وكان الإذن مقتصرًا على قتال قريش، ثم تطور فيما بعد مع تغير الظروف حتى وصل إلى مرحلة الوجوب وجاوز قريشًا إلى غيرهم. ولا بأس أن نذكر تلك المراحل بإيجاز:
المرحلة الأولى: اعتبار مشركي قريش محاربين؛ لأنهم بدأوا بالعدوان، فحق للمسلمين أن يقاتلوهم ويصادروا أموالهم دون غيرهم من بقية مشركي العرب.
المرحلة الثانية: قتال كل من تمالأ من مشركي العرب مع قريش واتحد معهم، وكذلك كل من تفرد بالاعتداء على المسلمين من غير قريش.
المرحلة الثالثة: قتال من خان أو تحيز للمشركين من اليهود الذين كان لهم عقد وميثاق مع رسول الله ﷺ، ونبذ ميثاقهم إليهم على سواء.
المرحلة الرابعة: قتال من بادأ بعداوة المسلمين من أهل الكتاب كالنصارى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
المرحلة الخامسة: الكف عمن دخل في الإسلام مشركًا كان أو يهوديًا أو نصرانيًا أو غير ذلك، فلا يتعرض لنفسه وماله إلا بحق الإسلام وحسابه على الله.
🎯 الخطتان الاستراتيجيتان للنبي ﷺ بعد الإذن بالقتال
ولما نزل الإذن بالقتال رأى رسول الله ﷺ أن يبسط سيطرته على الطريق الرئيس الذي تسلكه قريش من مكة إلى الشام في تجاراتهم، واختار لذلك خطتين:
الخطوة الأولى: عقد المعاهدات
عقد معاهدات الحلف أو عدم الاعتداء مع القبائل المجاورة للطريق، كمعاهدة جهينة وغيرها
الخطوة الثانية: إرسال البعوث
إرسال البعوث العسكرية واحدة تلو الأخرى إلى هذا الطريق للاستطلاع والإنذار
خامسًا: الغزوات والسيرايا قبل بدر — الثماني عمليات العسكرية
ولتنفيذ هاتين الخطتين بدأ النبي ﷺ بالتحركات العسكرية فعلاً بعد نزول الإذن بالقتال، وكانت أشبه بالدوريات الاستطلاعية. وكان المطلوب منها:
- الاستكشاف: التعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمسالك المؤدية إلى مكة.
- عقد المعاهدات: مع القبائل التي مساكنها على هذه الطرق.
- إشعار القوة: إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية بأن المسلمين أقوياء وتخلصوا من ضعفهم القديم.
- الإنذار: إنذار قريش عُقبى طيشها حتى تفيق عن غيها وتجنح إلى السلم.
1️⃣ سرية سيف البحر — أول لواء في الإسلام
أمر رسول الله ﷺ على هذه السرية حمزة بن عبد المطلب وبعثه في ثلاثين رجلًا من المهاجرين يعترضون عيرًا لقريش جاءت من الشام وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل. فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا واصطفوا للقتال.
فمشى مجدي بن عمرو الجني — وكان حليفًا للفريقين جميعًا — بين هؤلاء وهؤلاء حتى جَحَزَ بينهم فلم يقتتلوا.
💡 أول لواء في الإسلام: كان لواء حمزة أول لواء عقده رسول الله ﷺ وكان أبيض، وحمله أبو مرثد كَنّاز بن حصين الغَنَوي.
2️⃣ سرية رابغ — انضمام المقداد وعتبة
بعث لها رسول الله ﷺ عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين رجلًا من المهاجرين، فلقى أبا سفيان وهو في مائتين على بطن رابغ، وقد ترامى الفريقان بالنبل ولم يقع قتال.
💡 انضمام صحابيين: في هذه السرية انضم رجلان من جيش مكة إلى المسلمين وهما المقداد بن عمرو البهراني وعتبة بن غزوان المازني، وكانا مسلمين خرجا مع الكفار ليكون ذلك وسيلة للوصول إلى المسلمين. وكان لواء عبيدة أبيض وحامله مسطح بن أثاثة.
3️⃣ سرية الخرار
بعث لها رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص في عشرين رجلًا يعترضون عيرًا لقريش، وعهد إليه ألا يجاوز الخرار. فخرجوا مشاة يكمنون بالنهار ويسيرون بالليل حتى بلغوا الخرار صبيحة خمس فوجدوا العير قد مرت بالأمس. وكان لواء سعد أبيض وحمله المقداد بن عمرو.
4️⃣ غزوة الأبواء أو ودان — أول غزوة غزاها النبي ﷺ
خرج رسول الله ﷺ فيها بنفسه في سبعين رجلًا من المهاجرين خاصة يعترض عيرًا لقريش حتى بلغ ودان فلم يلق كيدًا. واستخلف على المدينة سعد بن عبادة رضي الله عنه.
📜 أول معاهدة حلف عسكرية: عقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشى الضمري سيد بني ضمرة، ونصها: «هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا دين الله، ما بل بحر صوفة، وأن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوه»
💡 أول غزوة: هذه أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه، كانت غيبته خمس عشرة ليلة، واللواء أبيض وحامله حمزة بن عبد المطلب.
5️⃣ غزوة بواط
خرج فيها رسول الله ﷺ في مائتي رجل من أصحابه يعترض عيرًا لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمئة بعير، فبلغ بواطاً من ناحية رضوى ولم يلق كيدًا. واستخلف على المدينة سعد بن معاذ، واللواء أبيض وحامله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
6️⃣ غزوة سفوان (بدر الأولى) — ردّ اعتداء كرز بن جابر
أغار كرز بن جابر الفهري في قوات خفيفة من المشركين على مراعي المدينة ونهب بعض المواشي، فخرج رسول الله ﷺ في سبعين رجلًا لمطارته حتى بلغ واديًا يقال له سفوان من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك كرزًا وأصحابه فرجع من دون حرب.
💡 أهمية: هذه الغزوة تسمى غزوة بدر الأولى، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وكان اللواء أبيض وحامله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهي أول عملية عسكرية ردًا على اعتداء مباشر.
7️⃣ غزوة ذي العشيرة — التمهيد المباشر لبدر
خرج فيها رسول الله ﷺ في خمسين ومائة — ويقال: مائتي — رجل من المهاجرين، ولم يكره أحدًا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرًا يعتقبونها، يعترضون عيرًا لقريش ذاهبة إلى الشام. فبلغ ذا العشيرة فوجد العير قد فاتته بأيام.
⚡ سبب بدر الكبرى: وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام فصارت سببًا مباشرًا لغزوة بدر الكبرى! وكان خروجه ﷺ في أواخر جمادى الأولى ورجوعه في أوائل جمادى الآخرة.
💡 معاهدات: عقد رسول الله ﷺ معاهدة عدم اعتداء مع بني مُدْلِج وحلفائهم من بني ضمرة. واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، واللواء أبيض وحامله حمزة بن عبد المطلب.
8️⃣ سرية نخلة — الأكثر خطورة وأثرًا
بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش وكتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه. فسار عبد الله ثم قرأ الكتاب بعد يومين فإذا فيه:
فقال عبد الله: «سمعًا وطاعة»، وأخبر أصحابه بذلك وأنه لا يستكرههم: «من أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض». فنهضوا كلهم، غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما فتخلفا في طلبه.
وسار عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارة، وفيها عمرو بن الحضرمي وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة.
فقال المسلمون: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم. ثم اجتمعوا على اللقاء، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم وأفلت نوفل.
⚡ أول خمس وأول قتيل وأول أسير في الإسلام: قدموا بالعير والأسيرين إلى المدينة وقد عزلوا من ذلك الخمس — وهو أول خمس كان في الإسلام — وأول قتيل في الإسلام (عمرو بن الحضرمي) وأول أسيرين في الإسلام.
وأنكر رسول الله ﷺ ما فعلوه وقال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» وتوقف عن التصرف في العير والأسيرين.
📜 نزول الوحي حاسمًا الجدل حول الشهر الحرام
ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم أحلوا ما حرم الله، وكثر في ذلك القيل والقال، حتى نزل الوحي حاسمًا هذه الأقاويل:
[البقرة: 217]
فقد صرح هذا الوحي بأن الضجة التي افتعلها المشركون لا مساغ لها، فإن الحرمات المقدسة قد انتهكت كلها في محاربة الإسلام واضطهاد أهله. ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرر سلب أموالهم وقتل نبيهم؟ فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة؟ لا جرم أن الدعاية التي أخذ ينشرها المشركون دعاية تبتني على وقاحة ودعارة. وبعد ذلك أطلق رسول الله ﷺ سراح الأسيرين وأدى دية المقتول إلى أوليائه.
📌 خلاصة حاسمة: تلكم السرايا والغزوات قبل بدر لم يجر في أحد منها سلب الأموال وقتل الرجال إلا بعد ما ارتكبه المشركون في قيادة كرز بن جابر الفهري. فالبداية إنما هي من المشركين مع ما كانوا قد أتوه قبل ذلك من الأفاعيل. وبعد وقوع ما وقع في سرية عبد الله بن جحش تحقق خوف المشركين وعلموا أن المدينة في غاية التيقظ والتربص تترقب كل حركة من حركاتهم التجارية، وأن المسلمين يستطيعون أن يزحفوا إلى ثلاثمائة ميل تقريبًا ثم يقتلوا ويأسروا رجالهم ويأخذوا أموالهم ويرجعوا سالمين غانمين. لكنهم بدل أن يفيقوا ازدادوا حقدًا وغيظًا وصمم صناديدهم على ما كانوا يوعدون به: إبادة المسلمين في عقر دارهم — وهذا هو الطيش الذي جاء بهم إلى بدر!
سادسًا: فرض القتال وتحويل القبلة — التمهيد الأخير لبدر الكبرى
أما المسلمون فقد فرض الله عليهم القتال بعد وقعة سرية عبد الله بن جحش في شهر شعبان سنة 2هـ، وأنزل في ذلك آيات بينات:
[البقرة: 190-193]
ثم لم يلبث أن أنزل الله تعالى آيات من نوع آخر يعلمهم فيها طريقة القتال ويحثهم عليه ويبين لهم بعض أحكامه:
[محمد: 4-7]
ثم ذم الله الذين طفقت أفئدتهم ترجف وتخفق حين سمعوا الأمر بالقتال:
[محمد: 20]
📊 تحليل: وإيجاب القتال والحض عليه والأمر بالاستعداد له هو عين ما كانت تقتضيه الأحوال، ولو كان هناك قائد يسبر أغوار الظروف لأمر جنده بالاستعداد لجميع الطوارئ فكيف بالرب العليم المتعال! فالظروف كانت تقتضي عراكًا داميًا بين الحق والباطل. وآيات الأمر بالقتال تدل بفحواها على قرب العراك الدامي وأن النصر والغلبة فيه للمسلمين نهائيًا — انظر كيف يأمر الله المسلمين بإخراج المشركين من حيث أخرجوهم، وكيف يعلمهم أحكام الجند المتغلب في الأسارى والإثخان في الأرض حتى تضع الحرب أوزارها — هذه كلها إشارة إلى غلبة المسلمين نهائيًا. ولكن ترك كل ذلك مستورًا حتى يأتي كل رجل بما فيه من التحمس في سبيل الله.
🕋 تحويل القبلة — في شعبان سنة 2هـ / فبراير 624م
وفي هذه الأيام أمر الله تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام. وأفاد ذلك أن الضعفاء والمنافقين من اليهود الذين كانوا قد خلوا صفوف المسلمين لإثارة البلبلة انكشفوا عن المسلمين ورجعوا إلى ما كانوا عليه، وهكذا تطهرت صفوف المسلمين عن كثير من أهل الغدر والخيانة.
💡 إشارة لطيفة: ولعل في تحويل القبلة إشارة لطيفة إلى بداية دور جديد لا ينتهي إلا بعد احتلال المسلمين لهذه القبلة. أو ليس من العجب أن تكون قبلة قوم بيد أعدائهم؟ وإن كانت بأيديهم فعلاً فلابد من تخليصها يومًا ما إن كانوا على الحق!
وبهذه الأوامر والإشارات زاد نشاط المسلمين واشتد شوقهم إلى الجهاد في سبيل الله ولقاء العدو في معركة فاصلة لإعلاء كلمة الله. وكانت كل الأحداث السابقة تمهيدًا حاسمًا لما كان قادمًا — معركة بدر الكبرى التي ستغير مجرى التاريخ.
❓ أسئلة مقترحة للاختبار والمراجعة
السؤال الأول: اشرح بالتفصيل رسالة قريش التهديدية إلى عبد الله بن أبي سلول، وما الدوافع الحقيقية وراء اتصال قريش به تحديدًا دون غيره من سكان المدينة؟
السؤال الثاني: كيف تعامل النبي ﷺ مع محاولة عبد الله بن أبي تجميع المشركين لقتاله، وما الذي يعكسه هذا التعامل عن حكمته ﷺ في إدارة الأزمات؟
السؤال الثالث: اشرح موقف سعد بن معاذ مع أبي جهل في مكة، وما دلالة رد سعد على مستوى الثقة العسكرية التي وصل إليها المسلمون في المدينة؟
السؤال الرابع: اذكر قصة حراسة النبي ﷺ من حديث عائشة في صحيحي البخاري ومسلم، وما الآية التي نزلت بسببهان وما أثرها في إنهاء الحراسة؟
السؤال الخامس: اشرح الفرق بين «الإذن بالقتال» و«فرض القتال» مع ذكر الآيات المناسبة لكل مرحلة، وما الظروف التي أدت إلى التحول من إذن إلى فرض؟
السؤال السادس: اذكر المراحل الخمس لتشريع القتال في الإسلام بالترتيب مع شرح مختصر لكل مرحلة، وما الذي يميز كل مرحلة عن سابقتها؟
السؤال السابع: اذكر الغزوات والسرايا الثماني التي وقعت قبل بدر مرتبة زمنيًا مع بيان قائد كل سرية وعدد المشاركين والنتيجة في كل منها.
السؤال الثامن: اشرح بالتفصيل قصة سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة: طريقة التكليف، الحدث الذي وقع، إنكار النبي ﷺ، نزول آية البقرة 217، والنتائج المترتبة عليها.
السؤال التاسع: ما أهمية غزوة ذي العشيرة في سلسلة الأحداث التي أدت إلى بدر الكبرى، وما العلاقة بين عير قريش هذه وعير بدر الكبرى؟
السؤال العاشر: اشرح دلالة تحويل القبلة في شعبان سنة 2هـ في سياق الأحداث العسكرية، وكيف ساهم في تطهير صفوف المسلمين من المنافقين واليهود؟
السؤال الحادي عشر: ما الخطتان الاستراتيجيتان اللتان اتبعهما النبي ﷺ بعد الإذن بالقتال للسيطرة على طريق تجارة قريش؟ مع ذكر أمثلة من المعاهدات التي عقدها.
السؤال الثاني عشر: استنتج من دراسة هذا الفصل خمسة دروس عسكرية وسياسية يمكن الاستفادة منها في فهم منهج النبي ﷺ في بناء القوة والتحول من الضعف إلى القوة.
الكتاب: الرحيق المختوم
المؤلف: صفي الرحمن المباركفوري
الفصل: الكفاح الدامي — المرحلة الأولى من العهد المدني
— يتلوه في الفصل القادم: غزوة بدر الكبرى —
صندوق التعليقات
إرسال تعليق