أولًا: نسب النبي صلى الله عليه وسلم وأسرته
نسب النبي صلى الله عليه وسلم
نسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ثلاثة أجزاء يتدرج فيها من ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم حتى يصل إلى أبي البشر آدم عليه السلام، ولكل جزء منها طبيعة خاصة من حيث القطع والثبوت والاتفاق أو الاختلاف، وفيما يلي بيان هذه الأجزاء الثلاثة بالتفصيل:
الجزء الأول جزء اتفق عليه كافة أهل السير والأنساب، وهو الجزء الذي يبدأ منه صلى الله عليه وسلم وينتهي إلى عدنان. وهذا الجزء محفوظ متواتر لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد تسالم عليه جميع العلماء والمؤرخين والنسّابين عبر القرون، فهو قطعي الثبوت لا مجال للشك فيه ولا للخلاف حوله.
الجزء الثاني جزء كثر فيه الاختلاف حتى جاوز حد الجمع والائتلاف، وهو الجزء الذي يبدأ بعد عدنان وينتهي إلى إبراهيم عليه السلام. فقد توقف فيه قوم وقالوا: لا يجوز سرده ولا روايته؛ لأنه لم يثبت بتواتر يجمع عليه الأمة، بينما جوزه آخرون وساقوه ورووا أسماء الآباء فيه. ثم اختلف هؤلاء المجوزون في عدد الآباء وأسمائهم، فاشتد اختلافهم وكثرت أقوالهم حتى جاوزت ثلاثين قولًا، إلا أن الجميع متفقون على أن عدنان من صريح ولد إسماعيل عليه السلام، فهذا القدر متفق عليه بين جميع من تكلم في هذا الباب.
الجزء الثالث ما فوق إبراهيم عليه السلام وينتهي إلى آدم عليه السلام، وجل الاعتماد فيه على نقل أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وعندهم فيه من بعض تفاصيل الأعمار وغيرها ما لا نشك في بطلانه؛ لما عُرف عنهم من التحريف والتبديل والتأويلات الباطلة، بينما نتوقف في البقية الباقية فلا نثبتها ولا ننفيها؛ لأنها لم ترد في مصادرنا الموثوقة بما يقطع العذر.
وفيما يلي الأجزاء الثلاثة من نسبه الزكي صلى الله عليه وسلم بالترتيب المفصل:
الجزء الأول: من النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدنان (المتفق عليه)
الجزء الثاني: ما فوق عدنان إلى إبراهيم عليه السلام (مختلف فيه)
الجزء الثالث: ما فوق إبراهيم عليه السلام إلى آدم عليه السلام
ثانيًا: الأسرة النبوية
تعرف أسرته صلى الله عليه وسلم بالأسرة الهاشمية نسبة إلى جده هاشم بن عبد مناف، وقد كان لآل هاشم مكانة عظيمة في قريش وشرف متوارث لم يتنازعهم فيه أحد. وإذن فلنذكر شيئًا من أحوال هاشم ومن بعده على الترتيب؛ لنكون على بصيرة من أصل النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته التي نشأ فيها:
1 ـ هاشم بن عبد مناف
قد أسلفنا أن هاشماً هو الذي تولى السقاية والرفادة من بني عبد مناف حين تصالح بنو عبد مناف وبنو عبد الدار على اقتسام المناصب فيما بينهم. وكان هاشمًا موسرًا ذا شرف كبير في قومه، وهو أول من أطعم الثريد للحجاج بمكة، وكان اسمه عمرو فما سمي هاشمًا إلا لهشمه الخبز؛ أي لفتّه وإطعامه للناس، وهو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، فعمّرت بذلك تجارة قريش وثرت ثروتهم وعلت مكانتهم بين العرب.
ومن حديثه أنه خرج إلى الشام تاجرًا، فلما قدم المدينة تزوج سلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار، وأقام عندها، ثم خرج إلى الشام وهي عند أهلها قد حملت بعبد المطلب، فمات هاشم بغزة من أرض فلسطين، وولدت امرأته سلمى عبد المطلب سنة 497 م، وسمته شيبة لشيبة كانت في رأسه، وجعلت تربيه في بيت أبيها في يثرب، ولم يشعر به أحد من أسرته بمكة طوال تلك السنين.
أبناء هاشم: كان لهاشم أربعة بنين وهم: أسد، وأبو صيفي، ونضلة، وعبد المطلب.
بنات هاشم: وخمس بنات وهن: الشفاء، وخالدة، وضعيفة، ورقية، وجنة.
2 ـ عبد المطلب بن هاشم
قد علمنا مما سبق أن السقاية والرفادة بعد هاشم صارت إلى أخيه المطلب بن عبد مناف ـ وكان شريفًا مطاعًا ذا فضل في قومه، كانت قريش تسميه الفياض لسخائه ـ لما صار شيبة (عبد المطلب) وصيفًا أو فوق ذلك ابن سبع سنين أو ثماني سنين سمع به المطلب. فرحل في طلبه، فلما رآه فاضت عيناه وضمه وأردفه على راحلته، فامتنع الغلام حتى تأذن له أمه، فسألها المطلب أن ترسله معه فامتنعت، فقال: "إنما يمضي إلى ملك أبيه وإلى حرم الله" فأذنت له، فقدم به مكة مردفه على بعيره، فقال الناس: "هذا عبد المطلب"، فقال: "ويحكم، إنما هو ابن أخي هاشم"، فأقام عنده حتى ترعرع ونشأ نشأة كريمة.
ثم إن المطلب هلك بـدمان من أرض اليمن، فولى بعده عبد المطلب، فأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون لقومهم من السقاية والرفادة وسائر الشؤون، وشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم حتى صار المرجع في كل أمر من أمور قريش.
ولما مات المطلب وثب نوفل بن عبد مناف على أركاح عبد المطلب فغصبه إياها، فسأل عبد المطلب رجالًا من قريش النصرة على عمه، فقالوا: "لا ندخل بينك وبين عمك"، فكتب إلى أخواله من بني النجار أبياتًا يستنجدهم، فسار خاله أبو سعد بن عدي في ثمانين راكبًا حتى نزل بالأبطح من مكة، فتلقاه عبد المطلب وقال: "المنزل يا خال"، فقال: "لا والله حتى ألقى نوفلًا".
ثم أقبل أبو سعد فوقف على نوفل وهو جالس في الحجر مع مشايخ قريش، فسل أبو سعد سيفه وقال: "ورب البيت، لئن لم ترد على ابن أختي أركاحه لأمكنن منك هذا السيف"، فقال نوفل: "رددتها عليه"، فأشهد عليه مشايخ قريش، ثم نزل أبو سعد على عبد المطلب فأقام عنده ثلاثًا ثم اعتمر ورجع إلى المدينة.
فلما جرى ذلك حالف نوفل بني عبد شمس بن عبد مناف على بني هاشم. ولما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب قالوا: "نحن ولدناه كما ولدتموه، فنحن أحق بنصره" ـ وذلك أن أم عبد مناف منهم ـ فدخلوا دار الندوة وحالفوا بني هاشم على بني عبد شمس ونوفل، وهذا الحلف هو الذي صار سببًا لفتح مكة كما سيأتي بيانه في موضعه.
أهم ما وقع لعبد المطلب: حفر بئر زمزم ووقعة الفيل
أولًا: حفر بئر زمزم
أن عبد المطلب أُمر في المنام بحفر زمزم ووصف له موضعها، فقام يحفر فوجد فيه الأشياء التي دفنها الجراهمة حين لجأوا إلى الجلاء، أي: السيوف والدروع والغزالين من الذهب. فضرب الأسياف بابًا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب، وأقام سقاية زمزم للحجاج.
ولما بدت بئر زمزم نازعته قريش وقالوا له: "أشركنا". قال: "ما أنا بفاعل، هذا أمر خصصت به"، فلم يتركوه حتى خرجوا به للمحاكمة إلى كاهنة بني سعد هُذَيْم وكانت بأشراف الشام. فلما كانوا في الطريق ونفد الماء سقى الله عبد المطلب مطرًا لم ينزل عليهم قطرة، فعرفوا تخصيص عبد المطلب بزمزم ورجعوا، وحينئذ نذر عبد المطلب: لئن آتاه الله عشرة أبناء وبلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة.
ثانيًا: وقعة الفيل
أن أبرهة بن الصباح الحبشي، النائب العام عن النجاشي على اليمن، لما رأى العرب يحجون الكعبة بنى كنيسة كبيرة بصنعاء وأراد أن يصرف حج العرب إليها. وسمع بذلك رجل من بني كنانة فدخلها ليلًا فلطخ قبلتها بالعذرة. ولما علم أبرهة بذلك ثار غيظه وسار بجيش عرمرم عدده ستون ألف جندي إلى الكعبة ليهدمها، واختار لنفسه فيلًا من أكبر الفيلة، وكان في الجيش 9 فيلة أو 13 فيلا.
وواصل سيره حتى بلغ المُغَمَّس وهناك عبأ جيشه وهيأ فيله وتهيأ لدخول مكة. فلما كان في وادي مُحَسِّر بين المزدلفة ومنى برك الفيل ولم يقم ليقدم إلى الكعبة، وكانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقوم يهرول، وإذا صرفوه إلى الكعبة برك وامتنع.
فبيناهم كذلك إذ أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول. وكانت الطير أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص، لا تصيب منهم أحدًا إلا صارت تتقطع أعضاؤه وهلك. وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يموج بعضهم في بعض فتساقطوا بكل طريق وهلكوا على كل منهل.
وأما أبرهة فبعث الله عليه داء تساقطت بسببه أنامله، ولم يصل إلى صنعاء إلا وهو مثل الفرخ، وانصدع صدره عن قلبه ثم هلك. وأما قريش فكانوا قد تفرقوا في الشعاب وتحرزوا في رءوس الجبال خوفًا على أنفسهم من معرة الجيش، فلما نزل بالجيش ما نزل رجعوا إلى بيوتهم آمنين.
تاريخ وقعة الفيل: كانت هذه الوقعة في شهر المحرم قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين يومًا أو بخمسة وخمسين يومًا عند الأكثر، وهو يطابق أواخر فبراير أو أوائل مارس سنة 571 م، وهو ما عُرف بعام الفيل الذي جعله الله مبدأ لتاريخ العرب.
دلالات وقعة الفيل وأهميتها:
كانت هذه الوقعة تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته؛ لأننا حين ننظر إلى بيت المقدس نرى أن المشركين من أعداء الله استولوا على هذه القبلة مرتين بينما كان أهلها مسلمين، كما وقع لبُخْتُنَصَّر سنة 587 ق.م، والرومان سنة 70 م، ولكن لم يتم استيلاء نصارى الحبشة على الكعبة وهم المسلمون إذ ذاك، وأهل الكعبة كانوا مشركين.
وقد وقعت هذه الوقعة في الظروف التي يبلغ نبؤها إلى معظم المعمورة المتحضرة إذ ذاك. فالحبشة كانت لها صلة قوية بالرومان، والفرس لا يزالون لهم بالمرصاد يترقبون ما نزل بالرومان وحلفائهم؛ ولذلك سرعان ما جاءت الفرس إلى اليمن بعد هذه الوقعة، وهاتان الدولتان كانتا تمثلان العالم المتحضر في ذلك الوقت. فهذه الوقعة لفتت أنظار العالم ودلته على شرف بيت الله وأنه هو الذي اصطفاه الله للتقديس، فإذن لو قام أحد من أهله بدعوى النبوة كان ذلك هو عين ما تقتضيه هذه الوقعة، وكان تفسيرًا للحكمة الخفية التي كانت في نصرة الله للمشركين ضد أهل الإيمان بطريق يفوق عالم الأسباب.
أبناء عبد المطلب:
كان لعبد المطلب عشرة بنين وهم: الحارث، والزبير، وأبو طالب، وعبد الله، وحمزة، وأبو لهب، والغَيْدَاق، والمُقَوِّم، وضِرَار، والعباس.
وقيل: كانوا أحد عشر فزادوا ولدًا اسمه: قُثَم. وقيل: كانوا ثلاثة عشر فزادوا: عبد الكعبة وحَجْلًا. وقيل: إن عبد الكعبة هو المقوم، وحجلا هو الغيداق، ولم يكن من أولاده رجل اسمه قثم.
بنات عبد المطلب: ست وهن: أم الحكيم (وهي البيضاء)، وبَرَّة، وعاتكة، وصفية، وأرْوَى، وأميمة.
3 ـ عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم
أمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يَقَظَة بن مرة، وكان عبد الله أحسن أولاد عبد المطلب وأعفهم وأحبهم إليه، وهو الذبيح؛ وذلك أن عبد المطلب لما تم أبناؤه عشرة وعرف أنهم يمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه.
قصة الذبح والفداء:
قيل: إنه أقرع بينهم أيهم ينحر؟ فطارت القرعة على عبد الله وكان أحب الناس إليه. فقال عبد المطلب: "اللهُم هو أو مائة من الإبل". ثم أقرع بينه وبين الإبل فطارت القرعة على المائة من الإبل.
وقيل: إنه كتب أسماءهم في القداح وأعطاها قيم هبل، فضرب القداح فخرج القدح على عبد الله، فأخذه عبد المطلب وأخذ الشفرة ثم أقبل به إلى الكعبة ليذبحه، فمنعته قريش ولاسيما أخواله من بني مخزوم وأخوه أبو طالب. فقال عبد المطلب: "فكيف أصنع بنذري؟" فأشاروا عليه أن يأتي عرافة فيستأمرها.
فأتاها فأمرت أن يضرب القداح على عبد الله وعلى عشر من الإبل، فإن خرجت على عبد الله يزيد عشرًا من الإبل حتى يرضى ربه، فإن خرجت على الإبل نحرها. فرجع وأقرع بين عبد الله وبين عشر من الإبل فوقعت القرعة على عبد الله، فلم يزل يزيد من الإبل عشرًا عشرًا ولا تقع القرعة إلا عليه إلى أن بلغت الإبل مائة فوقعت القرعة عليها، فنحرت ثم تركت لا يرد عنها إنسان ولا سبع.
وكانت الدية في قريش وفي العرب عشرًا من الإبل، فجرت بعد هذه الوقعة مائة من الإبل، وأقرها الإسلام.
واختار عبد المطلب لولده عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وهي يومئذ تعد أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا، وأبوها سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا، فزوجه بها، فبُني بها عبد الله في مكة.
وبعد قليل أرسله عبد المطلب إلى المدينة يمتار لهم تمرًا فمات بها. وقيل: بل خرج تاجرًا إلى الشام فأقبل في عير قريش فنزل بالمدينة وهو مريض فتوفي بها، ودفن في دار النابغة الجعدي، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة. وكانت وفاته قبل أن يولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه يقول أكثر المؤرخين، وقيل: بل توفي بعد مولده بشهرين أو أكثر.
ولما بلغ نعيه إلى مكة رثته آمنة بأروع المراثى، قالت:
ما خلفه عبد الله: جميع ما خلفه عبد الله خمسة أجمال، وقطعة غنم، وجارية حبشية اسمها بركة وكنيتها أم أيمن، وهي حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أسئلة للمراجعة والتفكير
- كم جزءًا ينقسم إليه نسب النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما حد كل جزء منها من حيث القطع والثبوت والاتفاق أو الاختلاف؟
- لماذا سمي هاشم بهذا الاسم؟ وما أبرز الإنجازات التي قام بها وأثّرت في مجتمع قريش الاقتصادي والتجاري؟
- كيف عرف المطلب بن عبد مناف بابن أخيه شيبة (عبد المطلب) في المدينة؟ وما الذي حدث حين قدم به مكة؟
- ما القصة التي أدت إلى تدخل أخوال عبد المطلب من بني النجار؟ وما أثر الحلف الذي نتج عنها في التاريخ الإسلامي لاحقًا؟
- كيف تم كشف بئر زمزم؟ وما هي الأشياء التي وُجدت فيها، وماذا فعل بها عبد المطلب؟
- ما الدوافع التي جعلت أبرهة الحبشي يسير بجيشه لهدم الكعبة؟ وماذا حدث للفيل حين بلغ وادي محسر؟
- اذكر دلالات وقعة الفيل وأهميتها كما عرضها المؤلف. وكيف اعتبرها تقدمة من الله لنبيه وبيته؟
- ما هو نذر عبد المطلب الذي تعلق بعبد الله؟ وكيف تم الفداء؟ وما أثر هذه الواقعة في تحديد مقدار الدية في الإسلام؟
- اذكر أسماء أبناء عبد المطلب العشرة المتفق عليها. ومن منهم كان أبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟
- ماذا خلف عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته؟ وفي أي مكان توفي وكم كان عمره حينئذ؟
الفصل الأول: النسب والمولد والنشأة
صندوق التعليقات
إرسال تعليق