أحكام الصيد والذبائح والأضاحي
من كتاب الفقه الميسر في العبادات والمعاملات للشيخ أحمد عيسى عاشور
أولًا: أحكام الأطعمة — الأصل في الحل والحرمة
الأصل في حل الأطعمة هو الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم، وهذا مبنٍّ على قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام: 145]، وقوله سبحانه: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]. ومعرفة أحكام الأطعمة من مهمات الدين لأن طلب الحلال فرض عين على كل مكلف، وقد ورد في الخبر: «أَيُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ حَرَامٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ». والقاعدة الفقهية المستقرّة في هذا الباب: «كل حيوان استطابته العرب فهو حلال إلا ما ورد الشرع بتحريمه»، والعرب أولى بالاعتبار لنزول القرآن بلغتهم وهم المخاطبون به.
ما يحل من الحيوانات الأهلية (الإنسية)
يحل أكل الإبل والبقر والغنم بجميع أنواعها بالإجماع، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1]، وقوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: 5]. ويحل أيضًا لحوم الخيل لحديث جابر رضي الله عنه قال: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرٍ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» متفق عليه.
ما يحل من الحيوانات الوحشية
يحل من دواب الوحش: البقر الوحشي ويدخل فيه الجاموس، والإبل الوحشية والوعل وجميع كباش الجبل وغنمه، والحمار الوحشي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منه، ولا فرق بين المتوحش والمستأنس فيما أصله حلال. كما يحل الظبي والضبع والثعلب والأرنب واليربوع والقنفد وابن عرس والضب لأنها مستطابة، وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم الضب بحضرته.
ثانيًا: ما يحرم أكله من الحيوانات
حكم ما له ناب من السباع
كل ما كان من السباع له ناب يعدو به على الحيوان ويتقوى به فيحرم أكله، كالأسد والفهد والنمر والذئب والدب والقرد والفيل والتمساح والزرافة وابن آوي. الدليل: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع» متفق عليه. وعلّل الشافعي رضي الله عنه ذلك بأن هذه الأنواع تعدو بنابها طالبة غير مطلوبة. أما الكلب فلا يؤكل لأنه من الخبائث، وكذا الخنزير لصريح الآية. وفي السنور (القطّ) خلاف والصحيح التحريم لأنه يتقوى بنابه ويأكل الجيف.
حكم ما له مخلب من الطيور
يحرم من الطيور كل ما يتقوى بمخلبه كالنسر والصقر والشاهين والبازي والحدأة بأنواعها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير» رواه مسلم. وكذا يحرم ما يأكل الجيف كالغراب الأبقع والأسود الكبير لأنهما مستخبثان. أما ما يستخبث كالحيات والعقارب والخنافس والقراد والقمل فتحرم لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.
حكم الدابة الجلالة
يُكره أكل الدابة الجلالة وهي التي أكثر أكلها العذرة (النجاسة)، سواء كانت شاة أو بقرًا أو دجاجة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن أكل الجَلَّالَةِ وأَلْبَانِهَا» رواه الترمذي. والكراهة منوطة بتغيّر الرائحة، فإن وُجد في عرقها ريح النجاسة فجلالة وإلا فلا. والنهي للتنزيه لأن أكلها للنجاسة إنما يؤثر في تغيير لحمها وذلك يقتضي الكراهة لا التحريم.
ثالثًا: أحكام الميتة — متى تؤكل ومتى تحرم
نصّ القرآن الكريم على تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلّ لغير الله به، وما في معناها كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع. وأما في حالة الضرورة فيُباح الأكل من الميتة بقدر ما يدفع عنه الهلاك ويسدّ رمقه ويحفظ حياته، لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]، ولا يزيد في الأكل إلى حد الشبع.
ميتة السمك والجراد
الحيوانات ثلاثة أقسام: الأول: ما لا يؤكل فميتته وذبيحته سواء. الثاني: حيوان مأكول ولا تحل ميتته فلا يحل إلا بالتذكية المعتبرة. الثالث: حيوان مأكول تحل ميتته وهو السمك والجراد، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ»، وقوله صلى الله عليه وسلم في ماء البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». والسمك بكل أنواعه حلال سواء مات بصدمة أو ضرب أو حتف أنفه، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96]. ويؤكل فأر الماء وخنزير الماء لأن اسم السمك يقع عليهما، ويُستثنى التمساح لأنه يتقوى بنابه، ويُحرّم الضفدع والسرطان والسلحفاة على الراجح لخباثتها.
رابعًا: أحكام الأضحية
الأضحية بتشديد الياء: ما ذُبح من النعم تقربًا إلى الله يوم العيد وأيام التشريق. الأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، وقوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: 36]. وهي سنة مؤكدة وشعار ظاهر من شعائر الإسلام، لقوله صلى الله عليه وسلم: «سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ... بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ». وذهب مالك وأبو حنيفة إلى وجوبها على المقيم الموسر لكن الصحيح أنها سنة لقوله: «أُمِرْتُ بِالنَّحْرِ وَهُوَ سُنَّةٌ لَكُم» رواه الترمذي، وقوله: «كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْكُم» رواه الدارقطني. وهي سنة على الكفاية إذا فعلها واحد من أهل بيت تأدّى عن الكل.
ما يجزيء في الأضحية من الأنعام وأسنانها
يشترط أن تكون الأضحية من الإبل والبقر والغنم بأنواعها لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَةٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]، ولا يجزيء من غيرها بالإجماع.
- ● الجذع من الضأن: ما له سنة على الأصح، وقيل ما له ستة أشهر.
- ● الثني من المعز: ما له سنتان على الأصح.
- ● الثني من البقر: ما له سنتان ودخل في الثالثة.
- ● الثني من الإبل: ما له خمس سنين ودخل في السادسة.
- ● الخصي: يجزيء لأن نقص الأنثيين سبب لزيادة اللحم وطيبه.
- ● مكسور القرن: يجزيء سواء سال الدم أم لا لأنه لا يؤثر في اللحم.
ويجزئ البَدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة لقول جابر رضي الله عنه: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» رواه مسلم. وتجزئ الشاة عن واحد وعن أهل بيت تلزم نفقتهم شخصًا واحدًا.
ما لا يجزيء في الأضحية من العيوب
يشترط سلامة الأضحية من كل عيب ينقص اللحم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعَةٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» رواه الترمذي وصححه. ووجه ذلك: العوراء ينقص رعيها فتهزل، والعرجاء تتخلف عن القطيع فلا تحصل على كفايتها، والمريضة يفسد لحمها، والعجفاء ذهب مخها من الهزال. وكذا لا تجزيء الجرباء لأن الجرب داء يفسد اللحم والودك، والثولاء وهي المجنونة التي تدور ولا ترعى، ومقطوعة الأذن والألية لفوات جزء مأكول.
وقت الذبح المعتبر للأضحية
يدخل وقت التضحية إذا طلعت الشمس يوم النحر ومضى قدر ركعتين وخطبتين خفيفتين، ويستمر إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق. الدليل: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَتَيْنِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ» متفق عليه. وليس فعل الصلاة شرطًا وإنما الشرط مضي قدرها. وتُكره التضحية ليلًا خشية تأخير تفريق اللحم طريًّا.
ما يستحب عند ذبح الأضحية
- ١. التسمية: لقوله تعالى ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾، ولو لم يُسمَّ حلت لأن الله أباح ذبائح أهل الكتاب وهم لا يسمّون غالبًا.
- ٢. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: نبه الشافعي على استحبابها قياسًا على سائر المواضع.
- ٣. استقبال القبلة: لأنه خير الجهات ولأنه صلى الله عليه وسلم وجّه ذبيحته إليها.
- ٤. التكبير: لفعل أنس رضي الله عنه أن النبي ضحّى بكبشين «سَمَّى وَكَبَّرَ» متفق عليه.
- ٥. الدعاء بالقبول: أن يقول: اللهم هذا منك وإليك فتقبل مني.
- ٦. أن يذبحها بنفسه: إن أحسن الذبح اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم يحسنه يشهد ذبحها لقوله لفاطمة: «قُومِي فَاشْهَدِي أَضْحِيَّتَكِ».
التصرف في لحم الأضحية
الأضحية المنذورة: تخرج من ملك الناذر ولا يجوز له الأكل منها، بل يلزمه التصدق بلحمها كله قياسًا على جزاء الصيد ودماء الجبرانات، فإن أكل منها غرم ثمنها.
الأضحية المتطوّع بها: يُستحب أن يأكل منها ويطعم ويدّخر. والأصح أن يأكل الثلث ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36]. ولا يجوز بيع جلدها ولا جعله أجرة للجزار بل يتصدق به أو يأخذه المضحي لمنفعته.
خامسًا: أحكام العقيقة
العقيقة في اللغة: الشعر الذي على رأس المولود. وفي الشرع: ما يُذبح في اليوم السابع يوم حلق رأسه. وهي مستحبة لقوله صلى الله عليه وسلم: «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، يُخْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى» رواه أحمد والترمذي. ويُذبح عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة لحديث أم كرز وعائشة رضي الله عنهما. والشاة في العقيقة كالشاة في الأضحية في السن والسلامة من العيوب.
ما يستحب فعله يوم العقيقة
- ١. أن يقول عند ذبحها: بسم الله اللهم هذا منك وإليك عقيقة فلان.
- ٢. يستحب ذبحها عند طلوع الشمس.
- ٣. حلق رأس المولود والتصدق بوزنه ذهبًا.
- ٤. طبخ العقيقة بحلوّ تفاؤلًا بحلاوة أخلاق المولود، والأفضل إبعاثه مطبوخًا إلى الفقراء.
- ٥. تحنيك المولود بتمر أو شيء حلو لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحنّك أولاد الأنصار بالتمر.
- ٦. الأذان في أذنه اليمنى والإقامة في اليسرى لقول الحسن رضي الله عنهما: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ»، والحكمة أن الأذان يطرد الشيطان عند أول قدومه إلى الدنيا.
سادسًا: أحكام المسابقة والمناضلة
المسابقة تطلق على المسابقة بالخيل والسهام، فبالخيل تختص بالرهان وبالسهام بالنضال. الأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»، وقوله: «مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا. أَوْ قَدْ عَصَى اللهَ» رواه مسلم. وسابق النبي صلى الله عليه وسلم بين الخيل المضمّرة وغير المضمّرة.
جواز شرط المال في المسابقة والمناضلة
يجوز شرط المال في المناضلة والمسابقة لقوله صلى الله عليه وسلم: «رِهَانُ الْخَيْلِ طَلْقٌ» أي حلال، ولأن فيه حثًّا على الاستعداد للجهاد. ويجوز على الدواب إذا كانت المسافة معلومة الابتداء والانتهاء ويمكن وصول الدابتين إليها غالبًا. وأما المناضلة فلا بد من العلم بها إما بالمسافة أو بالإصابة كخمسة من عشرين. وصفات الإصابة خمسة: القراع (الإصابة المجردة)، والخرق (أن يثقب الغرض)، والخسق (أن يثبت فيه)، والخرم (أن يقطعه)، والمرق (أن ينفذ من الجانب الآخر). وإذا أطلق العُقد حُمل على القرع لكونه المتعارف.
ما تجوز فيه المسابقة وما لا تجوز
✓ تجوز المسابقة بلا عوض على:
- الأقدام (الرجلين)
- السباحة في الماء
- الصراع
✗ لا تجوز المسابقة على:
- ما لا يصلح للحرب كالبقر ونحوه
- مناطحة الكباش ومهارشة الديكة لا بعوض ولا بغيره
- الشطرنج ومعرفة ما في اليد من زوج أو فرد وسائر أنواع اللعب
وإذا أخرج المال أحد المتسابقين على أن من سبق أحرزه جاز. وإن أخرجاه معا على أن من سبق أخذ الجميع لم يجز لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يُسْبَقَهُمَا فَهُوَ قِمَارٌ».
✦ المصدر: كتاب الفقه الميسر في العبادات والمعاملات ✦
تأليف: الشيخ أحمد عيسى عاشور — رحمه الله تعالى
صندوق التعليقات
إرسال تعليق