أولًا: الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف
في شوال سنة عشر من النبوة (في أواخر مايو أو أوائل يونيو سنة 619 م) خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلًا، سارها ماشيًا على قدميه جيئة وذهوبًا، ومعه مولاه زيد بن حارثة، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام، فلم تجب إليه واحدة منها.
موقف رؤساء ثقيف من الدعوة
فلما انتهى إلى الطائف عمد ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف وهم: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير الثقفي، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله وإلى نصرة الإسلام، فقال أحدهم: «هو يَمْرُط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك». وقال الآخر: «أما وجد الله أحدًا غيرك». وقال الثالث: «والله لا أكلمك أبدًا، إن كنت رسولًا لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك». فقام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: «إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني».
الأذى والرمي بالحجارة
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أهل الطائف عشرة أيام لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلادنا. وأغروا به سفهاءهم، فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس، فوقفوا له سِمَاطَيْن (صفين) وجعلوا يرمونه بالحجارة وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه حتى اختضب نعلاه بالدماء. وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجَاج في رأسه، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة أميال من الطائف، فلما التجأ إليه رجعوا عنه.
الدعاء المشهور في وادي نخلة
وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حُبْلَة من عنب فجلس تحت ظلها إلى جدار. فلما جلس إليه واطمأن، دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كآبة وحزنًا مما لقى من الشدة وأسفًا على أنه لم يؤمن به أحد:
إسلام عداس النصراني
فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له عَدَّاس وقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب واذهب به إلى هذا الرجل. فلما وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده إليه قائلًا: «باسم الله» ثم أكل. فقال عداس: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أي البلاد أنت وما دينك؟» قال: أنا نصراني من أهل نِينَوَى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرية الرجل الصالح يونس بن مَتَّى». قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي»، فأكب عداس على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه يقبلها.
فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاء عداس قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي. قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.
ملك الجبال يعرض إطباق الأخشبين
ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة بعد خروجه من الحائط كئيبًا محزونًا كسير القلب، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة.
دلالة هذا الموقف العظيم: وفي هذا الجواب الذي أدلى به الرسول صلى الله عليه وسلم تتجلى شخصيته الفذة وما كان عليه من الخلق العظيم لا يدرك غوره، فقد كان قادرًا على استئصال قريش بالكامل لو شاء، لكنه اختار الرحمة والدعاء لهم بالهداية لا بالهلاك، ورجا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، وهو ما تحقق بعد ذلك حين دخل الناس في دين الله أفواجًا من أبناء تلك القبيلة نفسها التي آذته وطرده.
إسلام نفر من الجن في وادي نخلة
وأفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم واطمأن قلبه لأجل هذا النصر الغيبي الذي أمده الله عليه من فوق سبع سموات، ثم تقدم في طريق مكة حتى بلغ وادي نخلة وأقام فيه أيامًا. وخلال إقامته صلى الله عليه وسلم هناك بعث الله إليه نفرًا من الجن ذكرهم الله في موضعين من القرآن:
سورة الأحقاف: 29 ـ 31
سورة الجن: 1 ـ 2
من سياق الآيات والروايات يتبين: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم حضور ذلك النفر من الجن حين حضروا وسمعوا، وإنما علم بعد ذلك حين أطلعه الله عليه بهذه الآيات، وأن حضورهم هذا كان لأول مرة، ويقتضي سياق الروايات أنهم وفدوا بعد ذلك مرارًا. وكان هذا الحادث نصرًا آخر أمده الله من كنوز غيبه المكنون بجنوده التي لا يعلمها إلا هو، وفي الآيات التي نزلت بصدد هذا الحادث بشارات بنجاح دعوة النبي صلى الله عليه وسلم:
سورة الأحقاف: 32
أمام هذه النصرة وأمام هذه البشارات أقشعت سحابة الكآبة والحزن واليأس التي كانت مطبقة عليه منذ أن خرج من الطائف مطرودًا مدحورًا، حتى صمم على العود إلى مكة وعلى القيام باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام بنشاط جديد وجدّ وحماس. وحينئذ قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ فقال: «يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه».
العودة إلى مكة في جوار المطعم بن عدي
وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دنا من مكة مكث بحِرَاء وبعث رجلًا من خزاعة إلى الأخنس بن شَرِيق ليجيره، فقال: أنا حليف والحليف لا يجير. فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال سهيل: إن بني عامر لا تجير على بني كعب. فبعث إلى المطعم بن عدي، فقال المطعم: نعم، ثم تسلح ودعا بنيه وقومه فقال: «البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدًا»، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ادخل.
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: «يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم»، وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه وطاف بالبيت وصلى ركعتين وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته. وقيل: إن أبا جهل سأل المطعم: أمجير أنت أم متابع؟ قال: بل مجير. قال: قد أجرنا من أجرت.
ثانيًا: عرض الإسلام على القبائل والأفراد
في ذي القعدة سنة عشر من النبوة (في أواخر يونيو أو أوائل يوليو سنة 619 م) عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليستأنف عرض الإسلام على القبائل والأفراد، ولاقتراب الموسم كان الناس يأتون إلى مكة رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق لأداء فريضة الحج، فانتهز رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الفرصة فأتاهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام ويدعوهم إليه، كما كان يدعوهم منذ السنة الرابعة من النبوة، وقد بدأ يطلب منهم من هذه السنة العاشرة أن يؤووه وينصروه ويمنعوه حتى يبلغ ما بعثه الله به.
القبائل التي عرض عليها الإسلام
قائمة القبائل: قال الزهري: كان ممن يُسمى لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صَعْصَعَة، ومُحَارِب بن خَصَفَة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعَبْس، وبنو نصر، وبنو البَكَّاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعُذْرَة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد.
ملاحظة مهمة: هذه القبائل لم يكن عرض الإسلام عليها في سنة واحدة ولا في موسم واحد، بل إنما كان ما بين السنة الرابعة من النبوة إلى آخر موسم قبل الهجرة، ولا يمكن تسمية سنة معينة لعرض الإسلام على قبيلة معينة، ولكن الأكثر كان في السنة العاشرة.
أمثلة من ردود القبائل
- بنو كلب: أتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم: «يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم أبيكم»، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.
- بنو حنيفة: أتاهم في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردًا منهم.
- بنو عامر بن صعصعة: فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فقال بَيْحَرَة بن فِرَاس: «والله لو إني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب»، ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء»، فقال: أفَتُهْدَفُ نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه.
موقف شيخ بني عامر العجوز: ولما رجعت بنو عامر تحدثوا إلى شيخ لهم لم يواف الموسم لكبر سنه، فقالوا له: جاءنا فتى من قريش من بني عبد المطلب يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا، فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال: «يا بني عامر، وهل لها من تَلاَف؟ هل لذُنَابَاها من مَطْلَب؟ والذي نفس فلان بيده ما تَقَوَّلَها إسماعيلي قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم؟»
ثالثًا: المؤمنون من غير أهل مكة
وكما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام على القبائل والوفود عرض على الأفراد والأشخاص، وحصل من بعضهم على ردود صالحة وآمن به عدة رجال بعد هذا الموسم بقليل، وهاك نبذة منهم:
1 ـ سويد بن الصامت
كان شاعرًا لبيبًا من سكان يثرب يسميه قومه الكامل لجلده وشعره وشرفه ونسبه، جاء مكة حاجًا أو معتمرًا فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال: لعل الذي معك مثل الذي معي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما الذي معك؟» قال: حكمة لقمان. قال: «اعرضها عليَّ». فعرضها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا لكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله تعالي عليَّ هو هدى ونور»، فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فأسلم وقال: إن هذا لقول حسن. فلما قدم المدينة لم يلبث أن قتل في وقعة بين الأوس والخزرج قبل يوم بعاث، والأغلب أنه أسلم في أوائل السنة الحادية عشرة من النبوة.
2 ـ إياس بن معاذ
كان غلامًا حدثًا من سكان يثرب قدم في وفد من الأوس جاءوا يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج وذلك قبيل حرب بعاث في أوائل سنة 11 من النبوة. فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقدمهم جاءهم فجلس إليهم وقال لهم: «هل لكم في خير مما جئتم له؟» قالوا: وما ذاك؟ قال: «أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا وأنزل عليَّ الكتاب»، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.
فقال إياس بن معاذ: «أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له»، فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع ـ رجل من الوفد ـ حفنة من تراب البطحاء فرمى بها وجه إياس وقال: دعنا فلعمرى لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفوا إلى المدينة من غير أن ينجحوا في عقد حلف مع قريش. وبعد رجوعهم إلى يثرب لم يلبث إياس أن هلك وكان يهلل ويكبر ويحمد ويسبح عند موته فلا يشكون أنه مات مسلمًا.
3 ـ أبو ذر الغفاري
كان من سكان نواحي يثرب، ولعله لما بلغ إلى يثرب خبر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بسويد بن الصامت وإياس بن معاذ وقع في أذن أبي ذر أيضًا وصار سببًا لإسلامه.
قصة إسلام أبي ذر من روايته: قال أبو ذر: كنت رجلًا من غفار، فبلغنا أن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل وكلمه وائتنِ بخبره، فانطلق فلقيه ثم رجع فقلت: ما عندك؟ فقال: والله لقد رأيت رجلًا يأمر بالخير وينهى عن الشر، فقلت له: لم تشفني من الخبر. فأخذت جرابًا وعصا ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد.
قال: فمر بي عليّ فقال: كأن الرجل غريب؟ قلت: نعم. فقال: فانطلق إلى المنزل فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أسأله، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد فلا أحد يخبرني عنه بشيء، قال: فمر بي عليّ فقال: أما نال للرجل يعرف منزله بعد؟ قلت: لا، قال: فانطلق معي، فما أمرك وما أقدمك هذه البلدة؟ قلت: إن كتمت عليَّ أخبرتك، قال: فإني أفعل. قلت: بلغنا أنه قد خرج هاهنا رجل يزعم أنه نبي الله فأرسلت أخي يكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر فأردت أن ألقاه. فقال: أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه ادخل حيث أدخل فإني إن رأيت أحدًا أخافه عليك قمت إلى الحائط كإني أصلح نعلي وامض أنت. فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: اعرض عليَّ الإسلام، فعرضه فأسلمت مكاني، فقال لي: «يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك فإذا بلغك ظهورنا فأقبل». فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم.
فجئت إلى المسجد وقريش فيه فقلت: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فقاموا فضربت لأموت فأدركني العباس فأكب عليَّ ثم أقبل عليهم فقال: «ويلكم تقتلون رجلًا من غفار؟ ومتجركم وممركم على غفار» فأقلعوا عني. فلما أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس فصنع بي ما صنع بالأمس فأدركني العباس فأكب عليَّ وقال مثل مقالته بالأمس.
4 ـ طُفَيْل بن عمرو الدَّوْسِي
كان رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا رئيس قبيلة دوس وكانت لقبيلته إمارة أو شبه إمارة في بعض نواحي اليمن، قدم مكة في عام 11 من النبوة فاستقبله أهلها قبل وصوله إليها وبذلوا له أجل تحية وأكرم تقدير، وقالوا له: يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا وقد فرق جماعتنا وشتت أمرنا وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وأبيه وبين الرجل وأخيه وبين الرجل وزوجه وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تكلمه ولا تسمعن منه شيئًا.
يقول طفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفًا (قطنًا) فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله، قال: فغدوت إلى المسجد فإذا هو قائم يصلى عند الكعبة فقمت قريبًا منه، فأبي الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلامًا حسنًا، فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني رجل لبيب شاعر ما يخفي عليَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان حسنًا قبلته وإن كان قبيحًا تركته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فعرضت عليه قصة مقدمي وتخويف الناس إياي وسد الأذن بالكرسف وسماع بعض كلامه وقلت له: اعرض عليَّ أمرك، فعرض عليَّ الإسلام وتلا عليَّ القرآن، فوالله ما سمعت قولًا قط أحسن منه ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق وقلت له: إني مطاع في قومي وراجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لي آية، فدعا.
وكانت آيته أنه لما دنا من قومه جعل الله نورًا في وجهه مثل المصباح فقال: اللهم في غير وجهي أخشى أن يقولوا هذه مثلة، فتحول النور إلى سوطه، فدعا أباه وزوجته إلى الإسلام فأسلما، وأبطأ عليه قومه في الإسلام لكن لم يزل بهم حتى هاجر بعد الخندق ومعه سبعون أو ثمانون بيتًا من قومه وقد أبلى في الإسلام بلاء حسنًا وقتل شهيدًا يوم اليمامة.
5 ـ ضِمَاد الأزْدِي
كان من أزْدِ شَنُوءَة من اليمن وكان يرقى من هذا الريح، قدم مكة فسمع سفهاءها يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو إني أتيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي. فلقيه فقال: يا محمد إني أرقى من هذا الريح فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد». فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام فبايعه.
رابعًا: ست نسمات طيبة من أهل يثرب
وفي موسم الحج من سنة 11 من النبوة (يوليو سنة 620 م) وجدت الدعوة الإسلامية بذورًا صالحة سرعان ما تحولت إلى شجرات باسقات اتقى المسلمون في ظلالها الوارفة لفحات الظلم والعدوان حتى تغير مجرى الأحداث وتحول خط التاريخ.
وكان من حكمته صلى الله عليه وسلم إزاء ما كان يلقى من أهل مكة من التكذيب والصد عن سبيل الله أنه كان يخرج إلى القبائل في ظلام الليل حتى لا يحول بينه وبينهم أحد من أهل مكة المشركين. فخرج ليلة ومعه أبو بكر وعلي، فمر على منازل ذُهْل وشيبان بن ثعلبة وكلمهم في الإسلام، وقد دارت بين أبي بكر وبين رجل من ذهل أسئلة وردود طريفة وأجاب بنو شيبان بأرجى الأجوبة غير أنهم توقفوا في قبول الإسلام.
الستة النفر من الخزرج عند عقبة منى
ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقبة منى فسمع أصوات رجال يتكلمون فعمدهم حتى لحقهم، وكانوا ستة نفر من شباب يثرب كلهم من الخزرج وهم:
- أسعد بن زُرَارة (من بني النجار)
- عوف بن الحارث بن رفاعة بن عَفْراء (من بني النجار)
- رافع بن مالك بن العَجْلان (من بني زُرَيْق)
- قُطْبَة بن عامر بن حديدة (من بني سلمة)
- عُقْبَة بن عامر بن نابي (من بني حَرَام بن كعب)
- جابر بن عبد الله بن رِئاب (من بني عبيد بن غَنْم)
خلفية يثرب وبشارات اليهود: وكان من سعادة أهل يثرب أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة إذا كان بينهم شيء أن نبيًا من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «من أنتم؟» قالوا: نفر من الخزرج. قال: «من موالى اليهود؟» قالوا: نعم. قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟» قالوا: بلى، فجلسوا معه فشرح لهم حقيقة الإسلام ودعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن.
فقال بعضهم لبعض: «تعلمون والله يا قوم إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه»، فأسرعوا إلى إجابة دعوته وأسلموا. وكانوا من عقلاء يثرب أنهكتهم الحرب الأهلية التي مضت قريبًا والتي لا يزال لهيبها مستعرًا، فأملوا أن تكون دعوته سببًا لوضع الحرب، فقالوا: «إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك».
أثر البيعة الأولى عند عقبة منى: ولما رجع هؤلاء إلى المدينة حملوا إليها رسالة الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت هذه البيعة الأولى عند عقبة منى هي البذرة الصالحة التي أنبتت شجرة الهجرة الكبرى وأنعشت آمال المسلمين بعد عام الحزن الطويل، وقد تلتها البيعة الثانية في العام التالي (البيعة الكبرى) التي كانت فيها البنود والعهود المؤكدة على النصرة والمنعة، ثم تلتها الهجرة العظيمة التي غيرت مجرى التاريخ.
استطراد: زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها
وفي شوال من هذه السنة ـ سنة 11 من النبوة ـ تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة الصديقة رضي الله عنها وهي بنت ست سنين، وبنى بها بالمدينة في شوال في السنة الأولى من الهجرة وهي بنت تسع سنين.
❓ أسئلة مقترحة للاختبار والمراجعة
حياة النبوة والرسالة والدعوة ـ العهد المكي ـ المرحلة الثالثة: دعوة الإسلام خارج مكة
صندوق التعليقات
إرسال تعليق