بحث
مساعد الحج الذكي
مرحباً بك! أسألني عن مناسك الحج، السيرة النبوية، أو أي استفسار ديني.
كيف أحرم للحج؟
أعمال يوم عرفة
دعاء الطواف
قصة الهجرة
تذكير تلقائي
صلى الله عليه وسلم
فضل الصلاة على النبي

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ"

الهجرة النبوية: الملحمة الكبرى من التخطيط السري إلى التأسيس العلني

📖 أدوات القارئ الذكية
✍️ النص:
👁️ الرؤية:
⚡ تفاعل:
📖 من كتاب الرحيق المختوم — للشيخ صفي الرحمن المباركفوري | فصل: طلائع الهجرة وهجرة النبي ﷺ

يُعدّ فصل طلائع الهجرة من أخطر الفصول في سيرة النبي محمد ﷺ، حيث يروي لنا المؤرخ الكبير صفي الرحمن المباركفوري في كتابه القيّم «الرحيق المختوم» تفاصيل مذهلة عن تلك الأيام العصيبة التي سبقت هجرة النبي ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. في هذا المقال نستعرض بتفصيل كامل和无اختصار أحداث دار الندوة التي شكّلت برلمان قريش، والنقاشات التي دارت فيها، والقرار الغاشم بقتل النبي ﷺ، ثم مراحل الهجرة الشريفة خطوة بخطوة حتى الدخول إلى المدينة المنورة.

أولًا: طلائع الهجرة — بداية الخروج من مكة المكرمة

بعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة — وهو أخطر كسب حصل عليه الإسلام منذ بداية دعوته — أذن رسول الله ﷺ للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن الجديد في يثرب (المدينة المنورة). وكانت هذه الهجرة نقطة تحول جذرية في مسار الدعوة الإسلامية، حيث انتقل المسلمون من حالة الضعف والاضطهاد إلى حالة التمكين والقوة.

⚠️ معنى الهجرة الحقيقي: لم يكن معنى الهجرة مجرد الانتقال من مكان إلى آخر، بل كان يعني إهدار المصالح الدنيوية، والتضحية بالأموال والمنازل والممتلكات، والنجاة بالشخص فحسب، مع الإشعار بأن المهاجر مستباح منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم لا يدرى ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان. ورغم كل ذلك بدأ المسلمون يهاجرون وهم يعرفون كل ذلك المعاناة المترتبة على قرارهم.

ثانيًا: نماذج من معاناة المهاجرين الأولى على يد مشركي قريش

أخذ المشركون يحولون بين المسلمين وبين خروجهم لما كانوا يحسون به من الخطر الداهم على كيانهم الوثني والاقتصادي. وفيما يلي ثلاثة نماذج صادمة توضح مدى الوحشية التي عامل بها مشركو قريش المهاجرين:

🟥 النموذج الأول: قصة أبي سلمة وزوجته أم سلمة رضي الله عنهما

كان من أول المهاجرين أبو سلمة — هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة على ما قاله ابن إسحاق — وزوجته وابنه. فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره: «هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟» فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم فقالوا: «لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا»، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده وذهبوا به، وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة.

أما أم سلمة رضي الله عنها فبعد ذهاب زوجها وضياع ابنها كانت تخرج كل غداة بالأبطح تبكي حتى تمسي، ومضى على ذلك نحو سنة كاملة! فرق لها أحد ذويها وقال: «ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها»، فقالوا لها: «الحقي بزوجك إن شئت». فاسترجعت ابنها من عصبته وخرجت تريد المدينة — رحلة تبلغ حوالي خمسمائة كيلو متر تمر بين شواهق الجبال ومهالك الأودية — وليس معها أحد من خلق الله!

💡 لقاء عثمان بن طلحة: حتى إذا كانت بالتنعيم لقيها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة — وكان مشركًا آنذاك — وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة. فلما نظر إلى قباء قال: «زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله»، ثم انصرف راجعًا إلى مكة. وهذا يدل على بقاء الفطرة النقية عند بعض المشركين رغم كفرهم.

🟩 النموذج الثاني: قصة صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه

هاجر صُهَيْب بن سِنان الرومي بعد رسول الله ﷺ، فلما أراد الهجرة قال له كفار قريش: «أتيتنا صعلوكًا حقيرًا فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك!».

فقال لهم صهيب بيقين المؤمن: «أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟» قالوا: «نعم»، قال: «فإني قد جعلت لكم مالي». فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال كلماته الخالدة:

«ربح صهيب، ربح صهيب»

وهذا تأكيد نبوي عظيم أن التضحية بالمال في سبيل الله ليست خسارة بل هي أعظم أرباح الدنيا والآخرة.

🟦 النموذج الثالث: قصة عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة رضي الله عنهما

تواعد عمر بن الخطاب وعَيَّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل موضعًا اسمه التَّنَاضُب فوق سَرِف يصبحون عنده ثم يهاجرون إلى المدينة. فاجتمع عمر وعياش وحُبس عنهما هشام.

ولما قدما المدينة ونزلا بقباء، قدم أبو جهل وأخوه الحارث إلى عياش — وأم الثلاثة واحدة وهي أسماء بنت مُخَرِّبَة — فقالا له: «إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط ولا تستظل بشمس حتى تراك»، فرق لها عياش.

فقال له عمر محذرًا: «يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت!» لكن عياش أبي إلا الخروج معهما ليبر قسم أمه.

💡 تفطن عمر: فقال له عمر: «أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها». فخرج عليها معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: «يا ابن أمي والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟» قال: «بلى»، فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة نهارًا موثقًا وقالا: «يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا!».

📌 خلاصة: هذه ثلاثة نماذج فقط لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرة إذا علموا ذلك. لكن على رغم ذلك كلّه خرج الناس أرسالًا يتبع بعضهم بعضًا. وبعد شهرين وبضعة أيام من بيعة العقبة الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعليّ — أقاما بأمره لهما — وإلا من احتبسه المشركون كرهًا.

📚 حديث عائشة رضي الله عنها في رؤيا الهجرة (رواه البخاري)

قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ للمسلمين:

«إني أُريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابَتَيْن»

— وهما الحرتان — فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ:

«على رِسْلِك، فإني أرجو أن يؤذن لي»

فقال له أبو بكر: «وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟» قال: «نعم»، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمَر (وهو الخَبَطُ) أربعة أشهر كاملة استعدادًا لهذه الرحلة المباركة.

ثالثًا: في دار الندوة — برلمان قريش

ولما رأى المشركون أن أصحاب رسول الله ﷺ قد تجهزوا وخرجوا، وحملوا وساقوا الذرارى والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج، أصابتهم الكآبة والحزن وساورهم القلق والهم بشكل لم يسبق له مثيل. فقد تجسد أمامهم خطر حقيقي عظيم أخذ يهدد كيانهم الوثني والاقتصادي.

🔍 أسباب ذعر قريش المفصّلة

  • شخصية النبي ﷺ: كانوا يعلمون ما في شخصية محمد ﷺ من غاية قوة التأثير مع كمال القيادة والإرشاد.
  • عزيمة الصحابة: ما في أصحابه من العزيمة والاستقامة والفداء في سبيله.
  • قوة الأوس والخزرج: ما في قبيلتي الأوس والخزرج من القوة والمنعة، وما في عقلائهما من عواطف السلم والصلاح والتداعي إلى نبذ الأحقاد — لا سيما بعد أن ذاقوا مرارة الحروب الأهلية طيلة أعوام من الدهر.
  • الموقع الاستراتيجي للمدينة: كانوا يعرفون ما للمدينة من الموقع الاستراتيجي بالنسبة إلى المحجة التجارية التي تمر بساحل البحر الأحمر من اليمن إلى الشام. وكان أهل مكة يتاجرون إلى الشام بقدر ربع مليون دينار ذهب سنويًا سوى ما كان لأهل الطائف وغيرها. ومعلوم أن مدار هذه التجارة كان على استقرار الأمن في تلك الطريق.

📅 التاريخ الدقيق لاجتماع دار الندوة:

يوم الخميس 26 صفر سنة 14 من النبوة
الموافق 12 سبتمبر 622م
(بعد شهرين ونصف تقريبًا من بيعة العقبة الكبرى)

عُقد برلمان مكة (دار الندوة) في أوائل النهار أخطر اجتماع له في تاريخه، وتوافد إلى هذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية ليتدارسوا خطة حاسمة تكفل القضاء سريعًا على حامل لواء الدعوة الإسلامية وتقطع تيار نورها عن الوجود نهائيًا. وكانت الوجوه البارزة في هذا الاجتماع الخطير:

👥 نواب القبائل القرشية الحاضرون في دار الندوة

1 أبو جهل بن هشام عن قبيلة بني مخزوم
2-4 جبير بن مُطْعِم، وطُعَيْمَة بن عدي، والحارث بن عامر عن بني نَوْفَل بن عبد مناف
5-7 شيبة وعتبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب عن بني عبد شمس بن عبد مناف
8 النَّضْر بن الحارث عن بني عبد الدار
9-11 أبو البَخْتَرِي بن هشام، وزَمْعَة بن الأسود، وحَكِيم بن حِزَام عن بني أسد بن عبد العزى
12-13 نُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجاج عن بني سهم
14 أمية بن خَلَف عن بني جُمَح

⚠️ دخول إبليس مجلس دار الندوة متخفيًا

ولما جاءوا إلى دار الندوة حسب الميعاد، اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بَتٌّ (كساء غليظ)، ووقف على الباب، فقالوا: «من الشيخ؟» قال: «شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا». قالوا: «أجل فادخل»، فدخل معهم!

وهذا مشهد عجيب يكشف حجم الحقد الشيطاني على الدعوة الإسلامية، حيث لم يكتفِ إبليس بإغواء المشركين من بعيد بل حضر بنفسه ليتأكد من تنفيذ الجريمة. لكن الله خيبهم جميعًا كما سيأتي.

رابعًا: النقاش البرلماني والإجماع على قرار غاشم بقتل النبي ﷺ

بعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول ودار النقاش طويلًا، وتم طرح ثلاثة اقتراحات متتابعة:

الاقتراح الأول: النفي (أبو الأسود)

قال أبو الأسود: «نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولا نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت».

رد الشيخ النجدي (إبليس): «لا والله ما هذا لكم برأي! ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب ثم يسير بهم إليكم — بعد أن يتابعوه — حتى يطأكم بهم في بلادكم ثم يفعل بكم ما أراد. دبّروا فيه رأيًا غير هذا!»

الاقتراح الثاني: الحبس (أبو البختري)

قال أبو البختري: «احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله — زهيرًا والنابغة — ومن مضى منهم من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم».

رد الشيخ النجدي (إبليس): «لا والله ما هذا لكم برأي! والله لئن حبستموه — كما تقولون — ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم. ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره!»

⛔ الاقتراح الثالث: القرار الغاشم بقتل النبي ﷺ (أبو جهل)

بعد أن رفض البرلمان الاقتراحين السابقين، تقدم كبير مجرمي مكة أبو جهل بن هشام بالاقتراح الآثم الذي وافق عليه جميع الأعضاء بالإجماع:

«والله إن لي فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد... أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نَسِيبًا وَسِيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه. فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعَقْل، فعقلناه لهم»

💭 تحليل الخطة: كانت هذه الخطة محكمة من الناحية العسكرية والقبلية؛ إذ أن توزيع الدم على جميع القبائل يجعل بنى عبد مناف عاجزين عن المطالبة بالقصاص من جميع القبائل فيضطرون لقبول الدية. لكنهم نسوا أن الله غالب على أمره وأن مكرهم سيعود عليهم بالخيبة والخزي.

مصادقة إبليس على القرار: قال الشيخ النجدي (إبليس): «القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره!». فوافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، ورجع النواب إلى بيوتهم وقد صمموا على تنفيذ هذا القرار فورًا.

خامسًا: بين تدبير قريش وتدبير الله سبحانه وتعالى

من طبيعة مثل هذا الاجتماع السرية للغاية، وألا يبدو على السطح الظاهر أي حركة تخالف اليوميات وتغاير العادات المستمرة، حتى لا يشم أحد رائحة التآمر والخطر. وكان هذا مكرًا من قريش، ولكنهم ماكروا بذلك الله سبحانه وتعالى فخيبهم من حيث لا يشعرون.

فقد نزل جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ بوحي من ربه تبارك وتعالى فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبين له خطة الرد على قريش فقال:

«لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه»

وذهب النبي ﷺ في الهاجرة — حين يستريح الناس في بيوتهم — إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة. قالت عائشة رضي الله عنها: «بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر».

فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل، فقال لأبي بكر: «أخرج من عندك». فقال أبو بكر: «إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله». قال: «فإني قد أذن لي في الخروج». فقال أبو بكر: «الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟» قال رسول الله ﷺ: «نعم». ثم أبرم معه خطة الهجرة ورجع إلى بيته ينتظر مجيء الليل، وقد استمر في أعماله اليومية حسب المعتاد حتى لم يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة.

سادسًا: تطويق منزل الرسول ﷺ — فرقة ال eleven المجرمة

أما أكابر مجرمي قريش فقد قضوا نهارهم في الإعداد سرًا لتنفيذ الخطة المرسومة. واختير لذلك أحد عشر رئيسًا من هؤلاء الأكابر وهم:

  1. أبو جهل بن هشام
  2. الحَكَم بن أبي العاص
  3. عُقْبَة بن أبي مُعَيْط
  4. النَّضْر بن الحارث
  5. أُمية بن خَلَف
  6. زَمْعَة بن الأسود
  7. طُعَيْمة بن عَدِيّ
  8. أبو لهب
  9. أبي بن خلف
  10. نُبَيْه بن الحجاج
  11. أخوه مُنَبِّه بن الحجاج

وكان من عادة رسول الله ﷺ أن ينام في أوائل الليل بعد صلاة العشاء ويخرج بعد نصف الليل إلى المسجد الحرام يصلي فيه قيام الليل. فأمر عليًا رضي الله عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه ويتسجى ببرده الحضرمي الأخضر، وأخبره أنه لا يصيبه مكروه.

فلما كانت عتمة من الليل وساد الهدوء ونام عامة الناس، جاء المذكورون إلى بيته ﷺ سرًا واجتمعوا على بابه يرصدونه وهم يظنونه نائمًا. وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجاح المؤامرة، حتى وقف أبو جهل وقفة الزهو والخيلاء وقال مخاطبًا لأصحابه المطوقين في سخرية واستهزاء:

«إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن. وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها!»

📖 الآية الكريمة: وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل، فباتوا متيقظين ينتظرون ساعة الصفر، ولكن الله غالب على أمره بيده ملكوت السموات والأرض يفعل ما يشاء وهو يجير ولا يُجار عليه، فقال تعالى:
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}
[الأنفال: 30]

سابعًا: الرسول ﷺ يغادر بيته — معجزة إغشاء الأبصار

وقد فشلت قريش في خطتها فشلًا ذريعًا مع غاية التيقظ والتنبه؛ إذ خرج رسول الله ﷺ من البيت واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذرها على رءوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو:

{وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}
[يس: 9]

فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ومضى إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلًا حتى لحقا بغار ثور في اتجاه اليمن.

💡 لحظة الكشف: بقي المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبة والفشل. فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم ورآهم ببابه فقال: «ما تنتظرون؟» قالوا: «محمدًا». قال: «خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم وذر على رءوسكم التراب وانطلق لحاجته!» قالوا: «والله ما أبصرناه!» وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم. وتطلعوا من صير الباب فرأوا عليًا فقالوا: «والله إن هذا لمحمد نائمًا عليه برده!» فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا. وقام عليٌّ عن الفراش فسقط في أيديهم وسألوه عن رسول الله ﷺ فقال: «لا علم لي به».

ثامنًا: من الدار إلى غار ثور

غادر رسول الله ﷺ بيته في ليلة 27 صفر سنة 14 من النبوة الموافق 12/13 سبتمبر 622م، وأتى إلى دار رفيقه وأمنّ الناس عليه في صحبته وماله أبي بكر رضي الله عنه. ثم غادر منزل الأخير من باب خلفي ليخرجا من مكة على عجل وقبل أن يطلع الفجر.

🧭 ذكاء الخطة: ولما كان النبي ﷺ يعلم أن قريشًا ستجدد في الطلب وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالًا، فسلك الطريق الذي يضاده تمامًا وهو الطريق الواقع جنوب مكة والمتجه نحو اليمن. سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور — وهو جبل شامخ وَعِر الطريق صعب المرتقى ذو أحجار كثيرة — فحفيت قدما رسول الله ﷺ، وقيل: بل كان يمشي في الطريق على أطراف قدميه كي يخفي أثره فحفيت قدماه. وأيًا ما كان فقد حمله أبو بكر حين بلغ إلى الجبل وطفق يشتد به حتى انتهى به إلى غار في قمة الجبل عرف في التاريخ بـغار ثور.

تاسعًا: إذ هما في الغار — ثلاث ليال مليئة بالدرر

🕷️ دخول الغار وتضحية أبي بكر

ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: «والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك». فدخل فكسحه ووجد في جانبه ثقبًا فشق إزاره وسدها به، وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه. ثم قال لرسول الله ﷺ: «ادخل»، فدخل رسول الله ﷺ ووضع رأسه في حجر أبي بكر ونام.

فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله ﷺ، فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ، فقال: «ما لك يا أبا بكر؟» قال: «لدغت فداك أبي وأمي»، فتفل رسول الله ﷺ فذهب ما يجده. وهذا مشهد يدمع له القلب ويعكس مدى حب أبي بكر لرسول الله ﷺ وتفانيه في خدمته.

📋 نظام الإمداد في الغار

وكمنا في الغار ثلاث ليال: ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد. وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما — وهو غلام شاب ثَقِف لَقِن — فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يُكتدان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام.

وكان عامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر يرعى عليهما منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رِسْل (وهو لبن منحتهما ورضيفهما) حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس. وكان عامر يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليعفي عليه.

🔥 جنون المطاردة — لطم أسماء بنت أبي بكر

أما قريش فقد جن جنونها حين تأكد لديها إفلات رسول الله ﷺ صباح ليلة تنفيذ المؤامرة. فأول ما فعلوا أنهم ضربوا عليًا وسحبوه إلى الكعبة وحبسوه ساعة علهم يظفرون بخبرهما. ولما لم يحصلوا من علي على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر وقرعوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر فقالوا لها: «أين أبوك؟» قالت: «لا أدرى والله أين أبي!» فرفع أبو جهل يده — وكان فاحشًا خبيثًا — فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها!

وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة وضع جميع الطرق النافذة من مكة تحت المراقبة المسلحة الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين كائنًا من كان. وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب وانتشروا في الجبال والوديان والوهاد والهضاب لكن من دون جدوى.

⭐ موقف الغار الخالد — «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»

وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره. روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال:

«كنت مع النبي ﷺ في الغار فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا!»
«اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما»

وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه ﷺ، فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة!

عاشرًا: في الطريق إلى المدينة المنورة — أحداث ووقائع

وحين خمدت نار الطلب وتوقفت أعمال دوريات التفتيش وهدأت ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيأ رسول الله ﷺ وصاحبه للخروج إلى المدينة. وكانا قد استأجرا عبد الله بن أُرَيْقِط الليثي وكان هاديًا خِرِّيتًا (ماهرًا بالطريق) وكان على دين كفار قريش وأمناه على ذلك.

📅 موعد الخروج من الغار

ليلة الاثنين — غرة ربيع الأول سنة 1هـ / 16 سبتمبر 622م — جاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين. وقد قال أبو بكر للنبي ﷺ: «بأبي أنت يا رسول الله خذ إحدى راحلتي هاتين وقرب إليه أفضلهما»، فقال رسول الله ﷺ: «بالثمن».

🎀 قصة ذات النطاقين — أسماء بنت أبي بكر

أتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها بسُفْرَتِهما (طعام السفر) ونسيت أن تجعل لها عِصَامًا (حبلًا). فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام، فشقت نطاقها باثنين فعلقت السفرة بواحد وانتطقت بالآخر، فسميت بـ«ذات النطاقين» رضي الله عنها.

🧭 مسار الطريق التفصيلي

أول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربًا نحو الساحل حتى وصل إلى طريق لم يألفه الناس، اتجه شمالًا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر وسلك طريقًا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرًا. وذكر ابن إسحاق المواضع التي مر بها رسول الله ﷺ依次: أسفل مكة → على الساحل → عُسْفَان → أسفل أمَج → قُدَيْد → الْخَرَّار → ثَنِّية الْمَرَّة → لِقْف → مَدْلَجَة لِقف → مَدْلَجة مِجَاج → مَرْجِح مِجَاح → ذي الغُضْوَيْن → بطن ذي كَشْر → الْجَدَاجِد → الأجرد → ذا سلم → العَبَابيد → الفَاجَة → الْعَرْج → ثنية العَائِر → بطن رِئْم → قُباء.

七大 أحداث وقعت في طريق الهجرة

1️⃣ حلب الشاة للراعي (رواه البخاري)

روى البخاري عن أبي بكر قال: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل فنزلنا عنده وسويت للنبي ﷺ مكانًا ينام عليه. فنام وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل بغنمه، فسألته: «أفي غنمك لبن؟» قال: «نعم»، فحلب كُثْبة من لبن. فأتيت النبي ﷺ فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد فقلت: «اشرب يا رسول الله»، فشرب حتى رضيت ثم قال: «ألم يأن للرحيل؟» قلت: «بلى»، قال: «فارتحلنا».

2️⃣ ذكاء أبي بكر في الإجابة

كان من دأب أبي بكر أنه كان ردفًا للنبي ﷺ، وكان شيخًا يعرف والنبي ﷺ شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: «من هذا الرجل الذي بين يديك؟» فيقول أبو بكر بذكاء: «هذا الرجل يهديني الطريق»، فيحسب الحاسب أنه يعني به الطريق المادي وإنما يعني سبيل الخير ودين الإسلام.

3️⃣ خيمة أم معبد الخزاعية ومعجزة حلب الشاة

مر بخيمتي أم مَعْبَد الخزاعية وكان موقعهما بالمُشَلَّل من ناحية قُدَيْد على بعد نحو 130 كيلو مترًا من مكة. وكانت امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء الخيمة وتطعم وتسقى من مر بها. فسألاها: «هل عندها شيء؟» فقالت: «والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم، القرى والشاء عازب وكانت سنة شهباء».

فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟ هل بها من لبن؟» قالت: «هي أجهد من ذلك». فقال: «أتأذنين لي أن أحلبها؟» قالت: «نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها». فمسح رسول الله ﷺ بيده ضرعها وسمى الله ودعا، فتفاجت عليه ودرت، فحلب فيها حتى علته الرغوة، فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه ثم شرب وحلب ثانيًا حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها فارتحلوا.

💡 أبيات ابن أبي صُوحٍ من الجن: أصبح صوت بمكة عاليًا يسمعونه ولا يرون القائل يقول:
جزى الله رب العرش خير جزائه ** رفيقين حَلاَّ خيمتى أم مَعْبَدِ
هما نزلا بالبِرِّ وارتحلا به ** وأفلح من أمسى رفيق محمَّد
يا لقُصَىّ ما زوى الله عنكم ** به من فعال لا يُحاذى وسُؤْدُد
ليَهْنِ بني كعب مكان فتاتهم ** ومقعدُها للمؤمنين بَمْرصَد
سلوا أختكم عن شاتها وإناءها ** فإنكم إن تسألوا الشاة تَشْهَد

4️⃣ مطاردة سراقة بن مالك ومعجزة غوص الفرس

تبعهما في الطريق سُرَاقة بن مالك. قال سراقة: بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مُدْلج أقبل رجل حتى قام علينا فقال: «يا سراقة إني رأيت آنفًا أسْوِدَة بالساحل أراها محمدًا وأصحابه». فعرفت أنهم هم فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي وحملت رمحي وخرجت.

فلما دنوت منهم عثرت بي فرسي فخررت عنها، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ — وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات — ساخت يدًا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان!

فناديتهم بالأمان فوقفوا، فعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزأني ولم يسألني إلا أن قال: «أخف عنا». فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أدم.

{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]

ورجع سراقة فوجد الناس في الطلب فجعل يقول: «قد استبرأت لكم الخبر قد كفيتم ما ها هنا». وكان أول النهار جاهدًا عليهما وآخره حارسًا لهما!

5️⃣ لقاء بُريدة بن الحُصَيب الأسلمي وإسلامه

في الطريق لقي النبي ﷺ بُريدة بن الحُصَيب الأسلمي ومعه نحو ثمانين بيتًا فأسلموا جميعًا. فقال له النبي ﷺ: «ممن أنت؟» قال: «من أسلم»، فقال لأبي بكر: «سلمنا»، ثم قال: «من بني من؟» قال: «من بني سهم»، فتفاءل النبي ﷺ وقال: «خرج سهمك». وأقام بريدة بأرض قومه حتى قدم على رسول الله ﷺ بعد أُحُد.

6️⃣ لقاء أوس بن حجر الأسلمي وتسمية الإبل

مر رسول الله ﷺ بأبي أوس تميم بن حجر بقحداوات بين الجُحْفَة وهَرْشَى، وكان قد أبطأ عليه بعض ظهره فحمله أوس على فحل من إبله وبعث معهما غلامًا اسمه مسعود وقال: «اسلك بهما حيث تعلم من محارم الطريق ولا تفارقهما». فسلك بهما حتى أدخلهما المدينة. وأمر النبي ﷺ أن يسمي إبل أوس في أعناقها «قيد الفرس» — وهو حلقتان ومد بينهما مد — فهي سِمَتُهم (علامتهم).

7️⃣ لقاء الزبير بن العوام وتكسية النبي ﷺ وأبي بكر

في بطن رِئْم لقي رسول الله ﷺ الزبير بن العوام وهو في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثيابًا بياضًا. وكان هذا اللقاء طيبًا يثلج الصدر بعد رحلة شاقة مليئة بالمخاطر.

حادي عشر: النزول بقباء — وأول مسجد أسس على التقوى

📅 تاريخ الوصول إلى قباء:

يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة
(السنة الأولى من الهجرة)
الموافق 23 سبتمبر 622م

قال عروة بن الزبير: سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحَرَّة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة. فلما أووا إلى بيوتهم أَوْفى رجل من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مُبَيَّضِين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: «يا معاشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون!» فثار المسلمون إلى السلاح وتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة.

وسُمِعت الوَجْبَة والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحًا بقدومه وخرجوا للقائه فحيوه بتحية النبوة فأحدقوا به مطيفين حوله والسكينة تغشاه والوحي ينزل عليه: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4]

💡 تفصيل عروة بن الزبير: فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف. فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ﷺ صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيا أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك. وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال وكان يومًا مشهودًا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها.

ونزل رسول الله ﷺ بقباء على كلثوم بن الهدم — وقيل بل على سعد بن خَيْثَمَة والأول أثبت — ومكث على بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاثًا حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس ثم هاجر ماشيًا على قدميه حتى لحقهما بقباء.

🕌 مسجد قباء — أول مسجد أسس على التقوى

وأقام رسول الله ﷺ بقباء أربعة أيام: الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس. وأسس مسجد قباء وصلى فيه وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة. فلما كان اليوم الخامس — يوم الجمعة — ركب بأمر الله له وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار (أخواله) فجاءوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة وهم حوله، وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي وكانوا مائة رجل.

ثاني عشر: الدخول المجيد في المدينة المنورة

ثم سار النبي ﷺ بعد الجمعة حتى دخل المدينة — ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بـمدينة الرسول ﷺ ويعبر عنها بالمدينة مختصرًا — وكان يومًا مشهودًا أغر، فقد ارتجت البيوت والسكك بأصوات الحمد والتسبيح، وتغنت بنات الأنصار بغاية الفرح والسرور:

طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا ** مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ** مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعِ
أَيُّهَا الْمَبْعُوثُ فِينَا ** جِئْتَ بِالْأَمْرِ الْمُطَاعِ

والأنصار وإن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل الرسول ﷺ عليه، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته: «هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة!» فكان يقول لهم: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة». فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي اليوم فبركت ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلًا ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول فنزل عنها — وذلك في بني النجار أخواله ﷺ — وكان من توفيق الله لها.

🏠 النزول في بيت أبي أيوب الأنصاري: جعل الناس يكلمون رسول الله ﷺ في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله فأدخله بيته، فجعل رسول الله ﷺ يقول: «المرء مع رحله». وفي رواية أنس عند البخاري قال النبي ﷺ: «أي بيوت أهلنا أقرب؟» فقال أبو أيوب: «أنا يا رسول الله هذه داري وهذا بأبي»، قال: «فانطلق فهيئ لنا مقيلًا»، قال: «قوما على بركة الله».

👨‍👩‍👧 وصول العائلة: وبعد أيام وصلت إليه زوجته سَوْدَة وبنتاه فاطمة وأم كلثوم وأسامة بن زيد وأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر ومنهم عائشة. وبقيت زينب عند أبي العاص لم يمكنها من الخروج حتى هاجرت بعد بدر.

🤲 دعاء النبي ﷺ للمدينة وشفاعة لأبي بكر وبلال

قالت عائشة: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال (أي أصابتهما الحمى). فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كل امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ** والموت أدنى من شِرَاك نَعْلِه

وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:

ألا ليت شِعْرِي هل أبيتَنَّ ليلة ** بوادٍ وحولي إذْخِرٌ وجَلِيلُ
وهل أردن يومًا مياه مِجَنَّة ** وهل يَبْدُوَنْ لي شامة وطَفِيلُ

فجاءت عائشة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال:

«اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء»

ثم دعا رسول الله ﷺ للمدينة فقال:

«اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك في صاعها ومدها وانقل حماها فاجعلها بالجُحْفَة»

✅ استجابة الدعاء: وقد استجاب الله دعاءه ﷺ فأرى في المنام أن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت بالمَهْيَعَة (الجحفة). وكان ذلك عبارة عن نقل وباء المدينة إلى الجحفة، وبذلك استراح المهاجرون عما كانوا يعانونه من شدة مناخ المدينة.

ثالث عشر: سكان المدينة وأحوالهم عند الهجرة

لم يكن معنى الهجرة التخلص والفرار من الفتنة فحسب، بل كانت تعني مع هذا تعاونًا على إقامة مجتمع جديد في بلد آمن. والذين قابلهم رسول الله ﷺ في المدينة كانوا على ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: أصحابه الصفوة الكرام البررة رضي الله عنهم

كان المسلمون في مكة مقهورين أذلاء مطرودين لم يكن لهم من الأمر شيء. أما في المدينة فكان أمر المسلمين بأيديهم منذ أول يوم، وهذا يعني أنهم آن لهم أن يواجهوا مسائل الحضارة والعمران والمعيشة والاقتصاد والسياسة والحكومة والسلم والحرب، وأن تفصل لهم مسائل الحلال والحرام والعبادة والأخلاق.

وكان من أبرز القضايا الطارئة أن المسلمين كانوا على قسمين: الأنصار في أرضهم وديارهم وأموالهم، وبينهم تنافر مستحكم وعداء مزمن منذ أمد بعيد. والمهاجرون فاتهم كل ذلك ونجوا بأنفسهم فلم يكن لهم ملجأ ولا عمل ولا مال، وكان عددهم غير قليل يزيد يومًا بعد يوم.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2]

الصنف الثاني: المشركون من صميم قبائل المدينة

لم يكن لهم سيطرة على المسلمين، ومنهم من أسلم بعد مدة قصيرة. لكن كان فيهم من يبطن شديد الإحن والعداوة وعلى رأسهم عبد الله بن أُبي بن أبي سلول — الذي كان الأوس والخزرج قد اجتمعوا على سيادته بعد حرب بُعَاث وكانوا على وشك أن يتوجوه ملكًا عليهم إذ بوغت بمجيء رسول الله ﷺ — فأظهر الإسلام بعد بدر لكنه بقي مستبطنًا الكفر وكان لا يجد مجالًا يكيد فيه إلا ويأتيه مع أصحابه من الرؤساء الذين حرموا المناصب المرجوة.

الصنف الثالث: اليهود — أخطر الأصناف

كانوا قد انحازوا إلى الحجاز زمن الاضطهاد الأشوري والروماني، واصطبغوا بالصبغة العربية في الزي واللغة والحضارة لكنهم احتفظوا بعصبيتهم الجنسية ولم يندمجوا في العرب قطعًا. وكانوا يرون أن أموال العرب مباحة لهم، قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران: 75].

وكانوا مَهَرة في فنون الكسب: تجارة الحبوب والتمر والخمر والثياب، وأكالين للربا يعطون القروض الطائلة لشيوخ العرب وساداتهم ثم يرتهنون أراضيهم وزروعهم حتى يتملكونها. وكانوا أصحاب دسائس ومؤامرات يلقون العداوة بين القبائل العربية ويغرون بعضها على بعض.

قبائل اليهود الثلاث في يثرب

بنو قَيْنُقَاع
حلفاء الخزرج
ديارهم داخل المدينة
بنو النَّضِير
حلفاء الخزرج
ديارهم بضواحي المدينة
بنو قُرَيْظة
حلفاء الأوس
ديارهم بضواحي المدينة

📖 شهادة صفية بنت حيي بن أخطب على عداوة اليهود

قالت صفية رضي الله عنها: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة ونزل قباء غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر مُغَلِّسين، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس أتيا كالَّيْنِ كسلانين ساقطين يمشيان الهُوَيْنَى. فسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي: «أهو هو؟» قال: «نعم والله»، قال: «أتعرفه وتثبته؟» قال: «نعم»، قال: «فما في نفسك منه؟» قال: «عداوته والله ما بقيت!»

📖 قصة إسلام عبد الله بن سلام — أول تجربة مع اليهود (رواه البخاري)

كان عبد الله بن سلام حبرًا من فطاحل علماء اليهود، فلما سمع بمقدم رسول الله ﷺ جاءه مستعجلًا وألقى إليه أسئلة لا يعلمها إلا نبي، فلما سمع ردوده ﷺ آمن به ساعته ومكانه ثم قال: «إن اليهود قوم بُهْت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك».

فأرسل رسول الله ﷺ فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت. فقال ﷺ: «أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟» قالوا: «أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا». قال: «أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟» قالوا: «أعاذه الله من ذلك!». فخرج إليهم عبد الله فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله». قالوا: «شرّنا وابن شرّنا!» ووقعوا فيه. وهذه أول تجربة تلقاها رسول الله ﷺ من اليهود في أول يوم دخل فيه المدينة.

📌 خلاصة شاملة

هذه هي الظروف الداخلية والخارجية التي واجهها الرسول ﷺ حين نزل بالمدينة. أما من ناحية الخارج فكان يحيط بها من يدين بدين قريش — ألد عدو للإسلام — التي صادرت أراضي المسلمين وأموالهم وحالت بينهم وبين أزواجهم وذرياتهم وتآمرت على الفتك بصاحب الدعوة ﷺ. فكان من الطبيعي أن تقوم بدورها السياسي والعسكرى وتغري غيرها ضد أهل المدينة حتى صارت المدينة محفوفة بالأخطار وفي شبه مقاطعة شديدة.

وقد قام رسول الله ﷺ بمعالجة كل القضايا أحسن قيام بتوفيق من الله وتأييده، فعامل كل قوم بما كانوا يستحقونه من الرأفة والرحمة أو الشدة والنكال، وذلك بجانب تزكية النفوس وتعليم الكتاب والحكمة. ولا شك أن جانب الرأفة والرحمة كان غالبًا — حتى عاد الأمر إلى الإسلام وأهله في بضع سنوات.

❓ أسئلة مقترحة للاختبار والمراجعة

السؤال الأول: ما الذي تغير في مسار الدعوة الإسلامية بعد بيعة العقبة الثانية، ولماذا اعتبر المؤلف أن هذا الأخطر كسب حصل عليه الإسلام؟

السؤال الثاني: اشرح قصة أبي سلمة وأم سلمة رضي الله عنهما بالتفصيل، وما الذي تبرزه هذه القصة من معانٍ حول صبر المؤمنين وتفانيهم؟

السؤال الثالث: ما سبب قول النبي ﷺ «ربح صهيب ربح صهيب»، وكيف يعكس هذا الحديث النبوي مفهوم الربح الحقيقي في الإسلام؟

السؤال الرابع: اذكر الأسباب الأربعة التي جعلت قريشًا تدخل في حالة ذعر وقلق غير مسبوق بعد هجرة المسلمين إلى المدينة.

السؤال الخامس: اشرح بالتفصيل الاقتراحات الثلاثة التي طُرحت في دار الندوة، ومن الذي تقدم بكل اقتراح، وما الرد الذي قوبل به كل منها؟

السؤال السادس: ما الذكاء العسكري الذي استخدمه النبي ﷺ في اختيار طريق الهجرة إلى غار ثور، ولماذا اختار الاتجاه الجنوبي بدل الشمالي؟

السؤال السابع: اشرح نظام الإمداد الذي وضعه النبي ﷺ وأبو بكر خلال الثلاث ليال في غار ثور، وما دور كل من عبد الله بن أبي بكر وعامر بن فهيرة؟

السؤال الثامن: ما معجزة غوص فرس سراقة بن مالك في الأرض، وكيف تحول سراقة من مطارد إلى حارس للنبي ﷺ وأصحابه؟

السؤال التاسع: اذكر الأصناف الثلاثة التي كان عليها سكان المدينة عند الهجرة، وما هي أخطر التحديات التي مثّلها كل صنف أمام الدعوة الإسلامية؟

السؤال العاشر: اشرح النشاط الاقتصادي والسياسي لليهود في يثرب قبل الهجرة، وكيف كانوا يستفيدون من الحروب بين الأوس والخزرج؟

السؤال الحادي عشر: قارن بين موقف اليهود من النبي ﷺ كما تجلى في قصة صفية بنت حيي وقصة عبد الله بن سلام، وما الذي يعكسه هذا التناقض عن طبيعة اليهود؟

السؤال الثاني عشر: ما دلالة قول أبي بكر للنبي ﷺ «هذا الرجل يهديني الطريق»، وكيف يعتبر هذا نموذجًا للذكاء والتحفظ في الدعوة إلى الله؟

السؤال الثالث عشر: اشرح دعاء النبي ﷺ للمدينة «اللهم حبب إلينا المدينة... وانقل حماها فاجعلها بالجحفة»، وكيف استجاب الله لهذا الدعاء؟

الكتاب: الرحيق المختوم

المؤلف: صفي الرحمن المباركفوري

الفصل: طلائع الهجرة وهجرة النبي ﷺ

— إلى هنا انتهى بيان قسم من حياته ﷺ بعد النبوة وهو العهد المكي —

صندوق التعليقات