أولًا: بيعة العقبة الأولى
قد ذكرنا أن ستة نفر من أهل يثرب أسلموا في موسم الحج سنة 11 من النبوة ووعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ رسالته في قومهم. وكان من جراء ذلك أن جاء في الموسم التالي ـ موسم الحج سنة 12 من النبوة (يوليو سنة 621 م) اثنا عشر رجلًا فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد التقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في العام السابق والسادس الذي لم يحضر وهو جابر بن عبد الله بن رئاب، وسبعة سواهم وهم:
- معاذ بن الحارث ابن عفراء من بني النجار [من الخزرج]
- ذَكْوَان بن عبد القيس من بني زُرَيْق [من الخزرج]
- عبادة بن الصامت من بني غَنْم [من الخزرج]
- يزيد بن ثعلبة من حلفاء بني غنم [من الخزرج]
- العباس بن عُبَادة بن نَضْلَة من بني سالم [من الخزرج]
- أبو الهَيْثَم بن التَّيَّهَان من بني عبد الأشهل [من الأوس]
- عُوَيْم بن ساعدة من بني عمرو بن عَوْف [من الأوس]
الأخيران من الأوس والبقية كلهم من الخزرج. التقى هؤلاء برسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة بمنى فبايعوه بيعة النساء أي وفق بيعتهن التي نزلت بعد الحديبية.
سفير الإسلام في المدينة: مصعب بن عمير رضي الله عنه
وبعد أن تمت البيعة وانتهى الموسم بعث النبي صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء المبايعين أول سفير في يثرب؛ ليعلم المسلمين فيها شرائع الإسلام ويفقههم في الدين وليقوم بنشر الإسلام بين الذين لم يزالوا على الشرك، واختار لهذه السفارة شابًا من شباب الإسلام من السابقين الأولين وهو مُصْعَب بن عُمَيْر العبْدَرِي رضي الله عنه.
النجاح المغتبط لمصعب بن عمير
نزل مصعب بن عمير على أسعد بن زرارة وأخذا يُبثان الإسلام في أهل يثرب بجد وحماس وكان مصعب يُعرَف بالمقرئ. ومن أروع ما يُروى من نجاحه في الدعوة أنه أسعد بن زرارة خرج به يومًا يريد دار بني عبد الأشهل ودار بني ظَفَر فدخلا في حائط من حوائط بني ظفر وجلس على بئر يقال لها بئر مَرَق واجتمع إليهما رجال من المسلمين وسعد بن معاذ وأُسَيْد بن حُضَيْر سيدا قومهما من بني عبد الأشهل يومئذ على الشرك، فلما سمعا بذلك قال سعد لأُسيد: اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا.
فأخذ أسيد حربته وأقبل إليهما فلما رآه أسعد قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءكما فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه. وجاء أسيد فوقف عليهما متشتمًا وقال: ما جاء بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرًا قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، فقال: أنصفت ثم ركز حربته وجلس فعَرَضَ بالإسلام وتلا عليه القرآن.
قال: فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتهلله ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله؟ كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالا له: تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين. فقام فاغتسل وطهر ثوبه وتشهد وصلى ركعتين ثم قال: إن ورائي رجلًا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرشده إليكما الآن سعد بن معاذ ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه وهم جلوس في ناديهم.
إسلام أسيد بن حضير: وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتهم لِيُخْفِرُوك، فقام سعد مغضبًا للذي ذُكر له فأخذ حربته وخرج إليهما فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد منه أن يسمع منهما. ووقف عليهما متشتمًا وقال للأسيد: والله يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رُمْتَ هذا منى تغشانا في دارنا بما نكره. وقد كان أسد قال لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه إن يتبعه لم يتخلف عنه أحد فقال مصعب لسعد بن معاذ: أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرًا قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال: قد أنصفت ثم ركز حربته فجلس فعرض عليه الإسلام وتلا عليه القرآن.
فلما عرف في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتهلله ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالا: تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين. ففعل ذلك ثم أخذ حربته فأقبل إلى نادى قومه فلما رأوه قالوا: نحلف بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به. فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمرى فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة إلا رجل واحد وهو الأُصَيْرِم تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم ذلك اليوم وقتل وقتل وقتل، ولم يسجد له سجدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عمل قليلًا وأجر كثيرًا».
نتيجة الدعوة في دور أسد بن حضير: وأقام مصعب في بيت أسد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخَطَمَة ووائل وكان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر وكانوا يطيعونه فوقفهم عن الإسلام حتى كان عام الخندق سنة خمس من الهجرة.
وقبل حلول موسم الحج التالي ـ أي حج السنة الثالثة عشرة من النبوة ـ عاد مصعب بن عمير إلى مكة يحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشائر الفوز ويقص عليه خبر قبائل يثرب وما فيها من مواهب الخير وما لها من قوة ومنعة.
ثانيًا: بيعة العقبة الثانية (البيعة الكبرى)
في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة (يونيو سنة 622 م) حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسًا من المسلمين من أهل يثرب جاءوا ضمن حجاج قومهم من المشركين. وقد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟
فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات سرية أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى وأن يتم الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل. ولنترك أحد قادة الأنصار يصف لنا هذا الاجتماع التاريخي الذي حول مجرى الأيام في صراع الوثنية والإسلام. يقول كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه:
بداية المحادثة وتشريح العباس لخطورة المسئولية
وبعد أن تكامل المجلس بدأت المحادثات لإبرام التحالف الديني والعسكرية وكان أول المتكلمين هو العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم ليشرح لهم ـ بكل صراحة ـ خطورة المسئولية التي ستلقى على كواهلهم نتيجة هذا التحالف. قال:
«يا معشر الخزرج ـ وكان العرب يسمون الأنصار خزرجًا خزرجها وأوسها كليهما ـ إن محمدًا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومه ممن هو على مثل رأيه فيه فهناه في عز من قومه ومنعة في بلده، فإنه قد أبي إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مُسلموه وخذلوه بعد الخروج به إليه فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. والله لا يقدر عليه أحد من قومه وبلده»
جواب كعب بن مالك: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. وهذا الجواب يدل على ما كانوا عليه من عزم صميم وشجاعة مؤمنة وإخلاص كامل في تحمل هذه المسئولية العظيمة وتحمل عواقبها الخطيرة وتحمل عواقبها الخطيرة.
بنود البيعة
وقد روى ذلك الإمام أحمد عن جابر مفصلًا. قال جابر: قلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال:
البند الأخير من بنود البيعة (رواية كعب): وفي رواية كعب بن مالك ـ التي رواها ابن إسحاق والذي هو البند الأخير فقط من هذه البنود ففيه: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعونه نساءكم وأبناءكم»، فأخذ البراء بن مَعْرُور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبيًا لنمنعنك مما نمنع أُزَرَنا منه فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحَلْقَة ورثناها كابرًا عن كابر. قالوا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «بل الدَّمُ الدَّمُ والهَدْمُ الهَدْمُ، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم، أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم»
التأكيد من خطورة البيعة: تحذير العباس بن عبادة
وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة وأجمعوا على الشروع في عقدها قام رجلان من الرعيل الأول ممن أسلموا في مواسم سنتي 11 و12 من النبوة قام أحدهما تلو الآخر؛ ليؤكدا للقوم خطورة المسئولية حتى لا يبايعوه إلا على جلية من الأمر وليعرفوا مدى استعداد القوم للتضحية ويتأكدا من ذلك. قال ابن إسحاق: لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نَضْلَة:
«هل تدورن علام تبايعون هذا الرجل؟» قالوا: نعم، قال: «إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نَهَكَتْ أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكَة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة»
جواب أسعد بن زرارة (رواية جابر): فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين فقال: رويدا يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله.
عقد البيعة
وبعد إقرار بنود البيعة وبعد هذا التأكيد والتأكد بدأ عقد البيعة بالمصافحة. قال جابر ـ بعد أن حكى قول أسعد بن زرارة ـ قال:
اختيار اثني عشر نقيبًا
وبعد أن تمت البيعة طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختاروا اثني عشر زعيمًا يكونون نقباء على قومهم يكفلون المسئولية عنهم في تنفيذ بنود هذه البيعة. قال للقوم: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم. فتم اختيارهم في الحال وكانوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس:
نقباء الخزرج التسعة:
- أسعد بن زُرَارة بن عدس
- سعد بن الرَّبِيع بن عمرو
- عبد الله بن رواحة بن ثعلبة
- رافع بن مالك بن العَجْلان
- البراء بن مَعْرُور بن صَخْر
- عبد الله بن عمرو بن حَرَام
- عبادة بن الصامت بن قيس
- سعد بن عبادة بن دُلَيْم
- المنذر بن عمرو بن خُنَيْس
نقباء الأوس الثلاثة:
- أُسَيْد بن حُضَيْر بن سِمَاك
- سعد بن خَيْثَمَة بن الحارث
- رفاعة بن عبد المنذر بن زبير
الميثاق الأخير للنقباء: ولما تم اختيار هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقًا آخر بصفتهم رؤساء مسئولين وقال لهم: «أنتم على قومكم بما فيهم كفال الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي» ـ يعني المسلمين ـ قالوا: نعم. قال: فأخذ عليهم ميثاقًا كما أخذ على الحواريين ميثاقًا، وهذا الميثاق هو الذي قال الله فيه: {محمد رسول الله والذين معه}، وسمِّي هذا الميثاق بميثاق الأنصار. وقد صار هذا الميثاق أعظم قسم في الهيكل الاجتماعي للمسلمين وأقوى دعامة لهم في مواجهة التحديات.
ولما تم إبرام المعاهدة وكان القوم على وشك الارفضاض اكتشفها أحد الشياطين وحيث إن هذا الاكتشاف جاء في اللحظة الأخيرة ولم يكن يمكن إبلاغ زعماء قريش هذا الخبر سرًا ليباغت المجتمعين وهم في الشعب قام ذلك الشيطان على مرتفع من الأرض وصاح بأعلى صوت قط:
«يا أهل الجَبَاجب ـ المنازل ـ هل لكم في مُذَمَّم والصباة معه؟ قد اجتمعوا على حربكم»
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أزَبُُّ العقبة، أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك» ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم. فرجعوا وناموا حتى أصبحوا.
رد العباس بن عبادة بن نضلة: ولما سمع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق إن شئن لنميلن على أهل منى غدًا باسيافنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم» فرجعوا وناموا حتى أصبحوا.
لما قرع هذا الخبر آذانت قريش وقعت فيهم ضجة وساورتهم القلاقل والأحزان؛ لأنهم كانوا على معرفة تامة بعواقب مثل هذه البيعة ونتائجها بالنسبة إلى أنفسهم وأموالهم. فما أن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابر مجرميها إلى أهل يثرب ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة. قال الوفد:
«يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وأنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم»
«يا أهل الجَبَاجب ـ المنازل ـ هل لكم في مُذَمَّم والصباة معه؟ قد اجتمعوا على حربكم»
رد العباس بن عبادة بن نضلة: ولما سمع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق إن شئن لنميلن على أهل منى غدًا باسيافنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم» فرجعوا وناموا حتى أصبحوا.
«يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وأنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم»
ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئًا عن هذه البيعة؛ لأنها تمت في سرية تامة في ظلام الليل انبعث هؤلاء المشركون يحلفون بالله: ما كان من شيء وما علمناه، حتى أتوا إلى عبد الله بن أبي بن سلول فجعل يقول: هذا باطل وما كان هذا وما كان قومي ليفتاتوا على بمثل هذا ولو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤمني. أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض ثم لاذوا بالصمت فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات.
عاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر لكنهم لم يزالوا يَتَنَطَّسُونه ـ يكثرون البحث عنه ويدققون النظر فيه ـ حتى تأكد لديهم أن الخبر صحيح والبيعة قد تمت فعلًا وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى أوطانهم فسارع فرسانهم بمطاردة اليثريين ولكن بعد فوات الأوان إلا أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو فطاردوهما:
وأما سعد بن عبادة فقد أعجز القوم فألقوا القبض عليه وربطوا يديه إلى عنقه بنِسْعٍ رحْلِه وجعلوا يضربونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلصه من أيديهم؛ إذ كان سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه فإذا هو قد طلع عليهم فوصل القوم جميعًا إلى المدينة. وأما المنذر فأعجز القوم فألقى القبض عليه حتى ألقاه الحجاج على عنقه فجعلوه يضربونه ويجرون شعره، فصبر على ذلك كله صبرًا على دين الله ولا يخشى لومة أحد، وفي ذلك دلالة واضحة على صدق إيمانه وثباته ومكان ذلك من الأعمال التي قال الله فيه: {وَلَا تَهِدَى للَّذِينَ آمَنُوا وَيُحَارِمونَ وَيَعْكِسُونَ * وَيُسَلِمُونَ وَيَرَأْيُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتَوْنَ وَيَدْعُونَ وَالْحَامِدُونَ وَالصَّابِرُونَ وَالْيَنْسَى وَمُحَمَّدًا وَأيُوب وَيَعِيسَى وَيُونُسَ وَيَعَقْبٌ وَيُسَمَعٌ وَكَا بقيت عن صاحبه وعلى قدر قريش. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عمل قليلًا وأجر كثيرًا»
هذه هي بيعة العقبة الثانية: التي تعرف ببيعة العقبة الكبرى وقد تمت في جو تعلوه عواطف الحب والولاء والتناصر بين أشتات المؤمنين والثقة والشجاعة والاستبسال في هذا السبيل. فمؤمن من أهل يثرب يحنو على أخيه المستضعف في مكة ويغضب من ظالمه ويجيش في حناياه مشاعر الود لهذا الأخ الذي أحبه بالغيب في ذات الله، وبهذا الإيمان استطاع المسلمون أن يسجلوا على أوراق الدهر أعمالًا ويتركوا عليها آثارً خلا من نظائرها الغابر والحاضر وسوف يخلو المستقبل.
❓ أسئلة مقترحة للاختبار والمراجعة
1ما الفرق بين بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية؟ وكم عدد المبايعين في كل بيعة؟
2اذكر أسماء السبعة والثلاث عشر رجلًا الذين بايعوا في العقبة الأولى مع بيان قبائلهم من الأوس والخزرج.
3اروِ قصة إسلام أسيد بن حضير كما رواها كعب بن مالك بالتفصيل مع بيان موقف سعد بن معاذ وأبو الحيسر من بني عبد الأشهل.
4ماذا فعل مصعب بن عمير في بيت أسد بن زرارة؟ وماذا كانت نتيجة دعوته في دور الأوس؟ وكم بقيَة لم تسلم من دار واحدة؟
5ما بنود البيعة التي ذكرها الإمام أحمد في حديث جابر؟ وماذا أضيف في البند الأخير الذي ردَّ على اعتراض أبي الهيثم بن التيهان؟
6اروِ قصة التأكيد الذي قام به العباس بن عبادة وموقف أسعد بن زرارة من قبل البيعة الأولى، مع بيان ماذا قال كل منه ودلالة كلامه.
7ماذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حق العباس بن عبادة: «إن محمدًا منا حيث ... هذا المقام؟
المصدر: كتاب الرحيق المختوم ـ تأليف: صفي الرحمن المباركفوري
حياة النبوة والرسالة والدعوة ـ العهد المكي ـ بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية
وأما سعد بن عبادة فقد أعجز القوم فألقوا القبض عليه وربطوا يديه إلى عنقه بنِسْعٍ رحْلِه وجعلوا يضربونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلصه من أيديهم؛ إذ كان سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه فإذا هو قد طلع عليهم فوصل القوم جميعًا إلى المدينة. وأما المنذر فأعجز القوم فألقى القبض عليه حتى ألقاه الحجاج على عنقه فجعلوه يضربونه ويجرون شعره، فصبر على ذلك كله صبرًا على دين الله ولا يخشى لومة أحد، وفي ذلك دلالة واضحة على صدق إيمانه وثباته ومكان ذلك من الأعمال التي قال الله فيه: {وَلَا تَهِدَى للَّذِينَ آمَنُوا وَيُحَارِمونَ وَيَعْكِسُونَ * وَيُسَلِمُونَ وَيَرَأْيُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتَوْنَ وَيَدْعُونَ وَالْحَامِدُونَ وَالصَّابِرُونَ وَالْيَنْسَى وَمُحَمَّدًا وَأيُوب وَيَعِيسَى وَيُونُسَ وَيَعَقْبٌ وَيُسَمَعٌ وَكَا بقيت عن صاحبه وعلى قدر قريش. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عمل قليلًا وأجر كثيرًا»
هذه هي بيعة العقبة الثانية: التي تعرف ببيعة العقبة الكبرى وقد تمت في جو تعلوه عواطف الحب والولاء والتناصر بين أشتات المؤمنين والثقة والشجاعة والاستبسال في هذا السبيل. فمؤمن من أهل يثرب يحنو على أخيه المستضعف في مكة ويغضب من ظالمه ويجيش في حناياه مشاعر الود لهذا الأخ الذي أحبه بالغيب في ذات الله، وبهذا الإيمان استطاع المسلمون أن يسجلوا على أوراق الدهر أعمالًا ويتركوا عليها آثارً خلا من نظائرها الغابر والحاضر وسوف يخلو المستقبل.
❓ أسئلة مقترحة للاختبار والمراجعة
حياة النبوة والرسالة والدعوة ـ العهد المكي ـ بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية
شكرا لك
ردحذف