تفسير سورة البلد: رحلة الإنسان بين الكبد والعمل الصالح
تضعنا سورة البلد أمام حقيقة الوجود الإنساني المرتبط بالمجاهدة والمكابدة. تبدأ السورة بقَسَم إلهي بمكة المكرمة "البلد الحرام"، لتنتقل إلى تذكير الإنسان بنعم الله عليه كالعينين واللسان، ثم تدعوه لاقتحام "العقبة" التي تحول بينه وبين النجاة. في هذا المقال، نستعرض تفسير سورة البلد كاملاً وفقاً لتفسير الجلالين، مسلطين الضوء على فضائل الصدقة، وفك الرقاب، والتواصي بالصبر والمرحمة كسبيل وحيد للالتحاق بأصحاب الميمنة.
القَسَم وحال الإنسان في الدنيا
لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ (1)«لا» زائدة «أقسم بهذا البلد» مكة.
وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ (2)«وأنت» يا محمد «حِلٌّ» حلال «بهذا البلد» بأن يحل لك فتقاتل فيه (يوم الفتح).
وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3)«ووالد» أي آدم «وما ولد» أي ذريته.
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4)«لقد خلقنا الإنسان» أي الجنس «في كبد» نصب وشدة يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة.
أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5)«أيحسب» أيظن الإنسان قوي قريش «أن» أي أنه «لن يقدر عليه أحد» والله قادر عليه.
يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا (6)«يقول أهلكت» على عداوة محمد «مالاً لبداً» كثيراً بعضه على بعض.
أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7)«أيحسب أن» أي أنه «لم يره أحد» فيما أنفقه فيعلم قدره، والله عالم به ومجازيه.
النعم الإلهية وطريق النجاة (العقبة)
أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8)«ألم نجعل» أي جعلنا «له عينين».
وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9)«ولساناً وشفتين».
وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)«وهديناه النجدين» بينا له طريق الخير والشر.
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)«فلا» فهلا «اقتحم العقبة» جاوزها.
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12)«وما أدراك» أعلمك «ما العقبة» التي يقتحمها (تعظيماً لشأنها).
فَكُّ رَقَبَةٍ (13)«فك رقبة» من الرق بأن أعتقها.
أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14)«أو أطْعَمَ في يوم ذي مسغبة» مجاعة.
يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15)«يتيماً ذا مقربة» قرابة.
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)«أو مسكيناً ذا متربة» لصوق بالتراب لفقره.
أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة
ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)«ثم كان» وقت الاقتحام «من الذين آمنوا وتواصوا» أوصى بعضهم بعضاً «بالصبر» على الطاعة «وتواصوا بالمرحمة» الرحمة على الخلق.
أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18)«أولئك» الموصوفون بهذه الصفات «أصحاب الميمنة» اليمين.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19)«والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة» الشمال.
عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ (20)«عليهم نار مؤصدة» مطبقة مغلقة.
.webp)